وكالة مهر للأنباء، رسول حسين أبو السبح: وفي هذا السياق، أجرت وكالة مهر حواراً خاصاً مع الشيخ الدكتور عامر الكفيشي، القيادي البارز في حزب الدعوة الإسلامية العراقي، للوقوف على رؤيته تجاه أبرز القضايا السياسية والاستراتيجية التي تشغل المنطقة، وقراءته لمستقبل العراق، ومكانة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، والتحولات التي تشهدها البيئة الأمنية والسياسية في الشرق الأوسط.
يشهد العالم تحولات متسارعة في موازين القوة والنظام الدولي، برأيكم هل ما نعيشه اليوم مجرد أزمات متفرقة، أم أننا أمام ولادة نظام عالمي وإقليمي جديد يعيد تعريف مفاهيم القوة والسيادة والتحالفات؟
نعم هي أزمات دولية متفرقة، أخذت تجتاح العالم بأسره، تولدت عن صراعات إقليمية ودولية كامنة لدى الشعوب، تدلل على تآكل النظام العالمي القائم بعد الحرب العالمية الثانية، وبعد سقوط الاتحاد السوفياتي وانفراد الولايات المتحدة الأمريكية بإدارة القطب الواحد في العالم، وهذه الأزمات الدولية بدأت تمهد لصعود قوى إقليمية ودولية جديدة في العالم، ستؤدي إلى انهيار هيمنة القطب الواحد وظهور نظام عالمي جديد متعدد القوى، يعطي معاني جديدة لمفاهيم القوة والنفوذ والسيادة والتحالفات.
لنقف عند العراق قليلاً، فإذا كان العراق يريد أن يتحول من ساحة صراع إلى دولة مؤثرة، فما الذي يحتاجه على مستوى السياسة الخارجية؟ وهل يمتلك اليوم فرصة تاريخية لإعادة صياغة دوره الإقليمي؟
لا شكّ أنّ الاستقرار السياسي والأمني في العراق هما الأساس في تكامله الاقتصادي، ولكن الأمر يحتاج إلى سياسة خارجية مستقلة تبتعد به عن سياسة المحاور والتبعية للدول الأخرى، وسياسية داخلية تعتمد على وحدة الصف والكلمة، والابتعاد عن الصراعات الداخلية بين الكتل السياسية، وإشكاليات المحاصصة المقيتة، ووضع رؤية اقتصادية واضحة وسليمة، واستثمار ما يمتلكه من قدرات وثروات وطاقات مختلفة؛ بشرية ومادية ومعنوية.
بعد عقود من العقوبات والضغوط والمواجهات، كيف تقيمون مكانة الجمهورية الإسلامية الإيرانية اليوم؟ وهل أصبحت قوة يصعب تجاوزها في معادلات المنطقة، أم أنها تواجه تحديات قد تحد من نفوذها مستقبلاً؟
أعتقد أن الجمهورية الإسلامية بفعل عقيدتها الإيمانية الفاعلة وقيادتها الحكيمة الصادقة قد تجاوزت جميع تلك الضغوطات والتحديات الكبيرة، على الرغم من الثمن الباهظ الذي دفعته، ومع ذلك فهي لا زالت تواجه التحديات بإيمان وقوة وثبات، وستنتصر على أعدائها، بإذن الله تعالى، وهي اليوم قوة عظمى لا يمكن تجاوزها في المنطقة، بل ستصبح قوة عالمية يُحسبُ لها ألف حساب، ويكون لها دور كبير في النظام العالمي الجديد إن شاء الله تعالى.
هل ما زالت الولايات المتحدة قادرة على إدارة الشرق الأوسط كما فعلت خلال العقود الماضية، أم أن موازين القوة الدولية فرضت عليها مقاربة مختلفة في ظل الأحداث الأخيرة؟
فقدت أمريكا اليوم قدرتها وهيبتها على إدارة الشرق الأوسط، فمن ناحية سقطت وتهشمت قاعدتها العسكرية المتمثلة بالكيان الصهيوني الإسرائيلي، التي فرضت بها سطوتها على المنطقة، ومن ناحية أخرى تبخرت شعاراتها بحقوق الإنسان وحقوق المرأة وحقوق الطفل، وتحرير الشعوب، وفرض السلام في العالم التي تشدقت بها منذ الحرب العالمية الثانية، فأصبحت الشعوب تنظر إليها كالوحش الكاسر الذي ينهش في جسدها، وغدا الحكام التابعين لها يعتقدون أن "المتغطي بأمريكا عريان"، كما قال حسني مبارك.
إلى أي مدى غيّرت الحروب الأخيرة البيئة الأمنية لإسرائيل، وهل تعتقدون أن مفهوم الردع البربري الذي اعتمدته لعقود سيستمر أم لدول محور المقاومة رأي آخر؟
الكيان الإسرائيلي كيان لقيط ووليد خدّج تشكّل في غير بيئته، وجاءت الحروب الخارجية له والانتفاضات الداخلية قوضت أمن هذا الكيان الهجين واستقراره، والآن أصبح يعيش تناقضات ومشكلات داخلية كبيرة، ستعصف به وتؤدي إلى تعثره وسقوطه، والعهد بزواله قريب.
كيف تقرؤون التحولات في سياسات دول الخليج الفارسي خلال السنوات الأخيرة؟ وهل تتجه المنطقة نحو شراكات أكثر استقرارًا أم نحو اصطفافات جديدة؟
دول الخليج [الفارسي] تعيش الآن في حيرة وضلالة، لا تعرف بوصلة استقرارها، نحو شراكات أم اصطفافات بعد أن فقدت ثقتها بحليفتها أمريكا التي حولتها إلى بقرة حلوب، من دون أن تحافظ على أمنها وتدافع عنها، وبدأت تفهم أنّ الكيان الإسرائيلي الغاصب يعمل على تدميرها، وترى في الوقت نفسه أن قوة الجمهورية الإسلامية أخذت تتنامى وتفرض وجودها في المنطقة، فأصبح حالها بين المطرقة والسندان.
في ختام هذا الحوار، قدّم الشيخ الدكتور عامر الكفيشي قراءة سياسية تستند إلى رؤيته لطبيعة التحولات الدولية والإقليمية، متناولاً مستقبل النظام العالمي، ودور العراق في المرحلة المقبلة، ومكانة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، إضافة إلى تقييمه لموقع الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي والتحولات الجارية في منطقة الخليج الفارسي.
ويبقى هذا الحوار جزءاً من سلسلة الحوارات الخاصة التي تجريها وكالة مهر للأنباء مع الشخصيات السياسية والفكرية، بهدف إتاحة مساحة لعرض الرؤى المختلفة حول القضايا التي ترسم ملامح المرحلة المقبلة.
//

