کد خبر: 562273
۰
PNAZAR
نسخه چاپی

فشل استراتيجية الضغط ضد محور المقاومة

وكالة مهر للأنباء، قسم الشؤون الدولية: مضت خمسة أشهر على اندلاع الحرب والحملة العسكرية الأميركية الإسرائيلية ضد إيران؛ حرب لم تكن أهدافها تقتصر على إلحاق الخسائر العسكرية، بل كانت تهدف إلى تغيير المعادلات الاستراتيجية في المنطقة لصالح واشنطن وتل أبيب. وكان مصممو هذه الاستراتيجية يعتقدون أن الجمع بين الضغط العسكري والعقوبات الاقتصادية وضرب البنى التحتية الدفاعية وتصفية القادة، يمكن أن يردع إيران عن لعب دورها الإقليمي، ويؤدي في النهاية إلى انهيار شبكة حلفائها. غير أن مسار التطورات في ساحة المعركة والتقييمات المنشورة في الغرب، تُظهر وجود فجوة كبيرة بين الأهداف الأولية والنتائج المتحققة؛ فجوة باتت بعض أهم المراكز الفكرية الغربية مضطرة إلى الاعتراف بها اليوم.

وفي هذا السياق، تعترف مجلة فورين أفيرز، في تقرير لها يستعرض نتائج هذه الحرب، بأن محور المقاومة لا يزال قائماً، على عكس توقعات أميركا وإسرائيل، وقد تمكن من الحفاظ على جزء كبير من قدراته وإعادة بنائها. وتؤكد المجلة أن حزب الله، رغم تلقيه ضربات قاسية، لا يزال فاعلاً محورياً في المعادلات اللبنانية، وأن القوات اليمنية استأنفت عملياتها في البحر الأحمر، وأن إيران لم تفقد قدرتها على توجيه ضربات متبادلة والحفاظ على ردعها. وتعزو فورين أفيرز السبب الرئيسي لهذه الحالة إلى تحول طبيعة محور المقاومة؛ فلم يعد محوراً متمركزاً ومعتمداً على مركز قيادة واحد، بل تحول إلى شبكة مرنة ومتعددة الطبقات وقادرة على إعادة بناء ذاتها، تتمتع بقدرة عالية على التكيف والاستعادة في مواجهة الضغوط العسكرية.

ولا تكمن أهمية هذا التقييم في الاعتراف باستمرار نشاط محور المقاومة فحسب، بل في الإقرار بفشل أحد أهم الأسس الفكرية للاستراتيجية الأميركية الإسرائيلية. فخلال العقدين الماضيين، قام جزء كبير من الخطاب الأمني الغربي على افتراض أن إيران تشكل مركز ثقل محور المقاومة، وأن الضغط على هذا المركز سيؤدي تدريجياً إلى إضعاف وانهيار الأضلاع الأخرى. وبناءً على ذلك، صيغت سياسة الضغوط القصوى والعقوبات الاقتصادية واغتيال القادة والهجمات السيبرانية والعمليات التخريبية، وأخيراً الضربات العسكرية المباشرة، في إطار استراتيجية موحدة، هدفها النهائي تغيير موازين القوى في المنطقة.

وقد تأثرت هذه الرؤية إلى حد كبير بنظرية عُرفت في الأوساط الأمنية الإسرائيلية باسم عقيدة الأخطبوط، التي تعتبر إيران رأس الأخطبوط وجماعات المقاومة أذرعه. وبالتالي، فإن إضعاف الرأس سيؤدي إلى فقدان الأذرع لقدراتها. لكن ما حدث في السنوات الأخيرة غيّر هذه المعادلة بشكل ملموس.

لم يعد محور المقاومة اليوم منظومة هرمية بالكامل. فقد تحول تدريجياً إلى شبكة تتوزع فيها المعرفة التقنية، والخبرة العملياتية، والموارد البشرية، والقدرات الإنتاجية، والطاقات الاستخباراتية، بل وحتى صنع القرار، بين فاعلين مختلفين. ولهذا السبب، فإن تصفية قائد، أو تدمير مستودع أسلحة، أو قطع طريق لوجستي، رغم ما قد يسببه من خسائر، لا يعني تعطيل الشبكة بأكملها. فكل جزء من هذه المنظومة قادر على تحمل جزء من مهام الجزء الآخر، وسد الثغرات الناشئة في فترة زمنية قصيرة نسبياً.

وهذه الخاصية جعلت استراتيجية الاستنزاف العسكري، خلافاً لتوقع مصمميها، غير قادرة على تحقيق الأهداف السياسية المنشودة. ففي الأدبيات العسكرية التقليدية، يُفترض أن لكل فاعل مركز ثقل محدد، وأن تدميره يؤدي إلى انهيار الهيكل بأكمله. لكن عندما تتشكل الشبكة من عدة مراكز لصنع القرار، ومسارات بديلة، وقدرات مستقلة، فإن تحديد نقطة رئيسية وتدميرها لم يعد يعني نهاية الشبكة. وهذا بالضبط ما أكدته مجلة فورين أفيرز، واعتبرته أحد أهم أسباب فشل الاستراتيجية الأميركية الإسرائيلية.

فشل استراتيجية الضغط ضد محور المقاومة

ومن جهة أخرى، أثبتت تجربة حروب العقدين الماضيين مراراً أن التفوق العسكري لا يعني بالضرورة النصر الاستراتيجي. ففي أفغانستان والعراق، ورغم التفوق الجوي والاستخباراتي والتكنولوجي المطلق، لم تستطع أميركا تحقيق أهدافها السياسية. كما واجهت إسرائيل في حرب 2006 على لبنان وفي معارك غزة المتعددة هذه الحقيقة مراراً، إذ تبين أن تدمير البنى التحتية وتصفية القادة لا يعنيان نهاية المقاومة. والآن، يبدو أن هذا النمط نفسه يتكرر في الحرب ضد إيران ومحور المقاومة.

وهناك عامل آخر مهم، وهو تغير مفهوم الردع في المنطقة. ففي الماضي، كان الردع يُعرّف أساساً على أساس القوة الصلبة والقدرة العسكرية التقليدية، لكن اليوم أصبحت الشبكات، والمرونة التنظيمية، والقدرة على التعافي، وسرعة نقل المعرفة، كلها جزءاً من مكونات الردع. وفي ظل هذه الظروف، حتى لو فقد فاعل ما جزءاً من قدرته العسكرية، فإنه ما دام هيكله التنظيمي وقدرته على إعادة البناء محفوظين، سيظل قادراً على لعب دوره في المعادلات الأمنية.

وهذه المسألة أدت أيضاً إلى زيادة تكاليف استمرار الحرب بالنسبة لأميركا وإسرائيل. فكلما زادت قدرة الشبكة على إعادة البناء، اضطر الطرف المقابل إلى تخصيص موارد أكبر للحفاظ على الضغط العسكري، دون وجود ضمان لتحقيق الأهداف السياسية. وهذه الفجوة بين التكلفة والمكاسب تشكل أحد أهم تحديات الاستراتيجيات القائمة على الضغوط القصوى، وتدفع صناع القرار تدريجياً إلى إعادة النظر في حساباتهم.

وهناك ملاحظة جديرة بالاهتمام، وهي أن استمرار نشاط فاعلي محور المقاومة ليس مجرد نتيجة لقدراتهم العسكرية، بل يعود أيضاً إلى الآليات التنظيمية، والخبرة المتراكمة، ونقل المعرفة، وتوطين التكنولوجيا، والاستقلال النسبي لكل جزء من هذه الشبكة. وهذه الخاصية جعلت أي ضربة عسكرية، بدلاً من أن تهدد وجود المحور، لا تؤدي إلا إلى تغيير أسلوب عمله وتشكيله العملياتي. وبعبارة أخرى، يعمل محور المقاومة وفق نمط شبكي بدلاً من الاعتماد على مركز واحد، وهذا ما عزز قدرته على التكيف.

ومن منظور استراتيجي، لهذا التحول تداعيات مهمة على مستقبل المنطقة. فإذا كانت فرضية انهيار محور المقاومة عبر الضغط العسكري قد فقدت فعاليتها، فسيكون على أميركا وإسرائيل إعادة النظر في أدوات تحقيق أهدافهما. واستمرار الاعتماد على القوة الصلبة، دون الأخذ في الاعتبار الخصائص الجديدة لهذه الشبكة، من المرجح أن يفرض عليهما تكاليف سياسية واقتصادية وأمنية إضافية، دون أن يحدث تغييراً حاسماً في موازين المنطقة.

وفي النهاية، ينبغي النظر إلى تقرير فورين أفيرز على أنه يتجاوز كونه مجرد تحليل إعلامي. فهو يعكس تحولاً تدريجياً في جزء من النظرة الاستراتيجية الغربية تجاه حقائق المنطقة؛ تحولاً يُظهر أن الكثير من الفرضيات السابقة لم تعد صالحة للظروف الجديدة. ورغم أن الحرب أوقعت خسائر فادحة بجميع الأطراف، فإن الأهم من ذلك هو أن الأهداف المعلنة لانطلاق هذه الحملة لم تتحقق حتى الآن، بل إن بعض أهم المراكز الفكرية الغربية أقرت بهذه الحقيقة. واستمرار تماسك محور المقاومة، وقدرته العالية على إعادة البناء، وتحول هيكله من تنظيم مركزي إلى شبكة مرنة ومتعددة المراكز، كلها مؤشرات على أن المعادلات الأمنية في غرب آسيا دخلت مرحلة جديدة؛ مرحلة لم يعد فيها التفوق العسكري وحده ضامناً لتحقيق الأهداف الاستراتيجية، وأي تصميم لمستقبل المنطقة سيضطر حتماً إلى إدراج هذه الحقيقة في حساباته.

//