کد خبر: 567780
۰
PNAZAR
نسخه چاپی

واشنطن في مأزق الحرب مع إيران

وكالة مهر للأنباء: الحرب التي كانت الولايات المتحدة تراهن على أن تكون قصيرة ومحدودة وحاسمة، تحولت إلى أزمة باتت معها مسألة الخروج من المواجهة واحدة من أبرز التحديات أمام واشنطن، في ظل اتساع الفجوة بين الأهداف التي وضعتها الإدارة الأمريكية في بداية الحرب والواقع الذي تواجهه اليوم.

وأكد جيك سوليفان، مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق، في حديث إلى بلومبرغ، أن الولايات المتحدة عالقة في الحرب مع إيران ولا تملك مساراً مناسباً للخروج منها. ورأى سوليفان أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد يجد نفسه في نهاية المطاف مضطراً إلى قبول اتفاق مع إيران لا يلبي جميع المطالب الأمريكية، في ظل عدم وجود خيارات سهلة لإنهاء الحرب.

وتتضح أهمية هذه التصريحات عند مقارنة الوضع الحالي بالتقديرات الأمريكية الأولى. فقد تحدث ترامب في بداية الحرب عن مواجهة قصيرة، متوقعاً أن تحقق العمليات العسكرية أهدافها خلال أسابيع، إلا أن مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي أشار، في تقييم بعد مرور ستة أشهر على الحرب، إلى أن العمليات العسكرية لم تحقق الانتصار السريع الذي كان ترامب يتوقعه، وأن الحكومة الإيرانية لم تنهَر ولم تستسلم. كما خلص المجلس إلى أن واشنطن لا تملك خياراً جيداً لإجبار إيران على قبول مطالبها.

من الانتصار السريع إلى الحرب المستنزفة

في بداية الحرب، سعت واشنطن إلى توظيف تفوقها العسكري لفرض نتيجة سياسية على إيران، على أساس أن توجيه ضربات واسعة إلى البنية التحتية العسكرية والنووية الإيرانية سيدفع طهران خلال فترة قصيرة إلى الاقتراب من قبول المطالب الأمريكية.

لكن استمرار قدرة إيران على المقاومة ومواصلة الضغط على المصالح الأمريكية وحلفائها أدى إلى تعقيد المعادلة. فبينما لا تزال الولايات المتحدة تمتلك قدرة تدميرية عسكرية كبيرة، بات تحويل هذه القوة إلى نتيجة سياسية حاسمة أكثر صعوبة.

مضيق هرمز.. معضلة أخرى أمام واشنطن

ويبرز مضيق هرمز باعتباره نموذجاً واضحاً لهذه المعضلة. فواشنطن تستطيع حشد قدرات عسكرية كبيرة لإبقاء هذا الممر مفتوحاً، إلا أن تصعيد العمليات قد يزيد من مخاطر استهداف إيران للقواعد الأمريكية وحلفائها في المنطقة، ويرفع الكلفة الأمنية للحرب.

وأشار مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي إلى أن مخاطر التصعيد واحتمال تعرض دول المنطقة والقواعد الأمريكية لهجمات إيرانية من العوامل التي تحد من الخيارات العسكرية المتاحة أمام واشنطن.

ومن جهة أخرى، أظهرت تقييمات أمريكية أن الحرب الطويلة تعني استهلاكاً متواصلاً للمخزونات العسكرية وزيادة الضغط على القدرات الدفاعية الأمريكية. وأفادت تقارير بأن مخزونات بعض الأسلحة الأمريكية تراجعت، فيما ظل المرور عبر مضيق هرمز يواجه قيوداً كبيرة.

الضغط الاقتصادي يفتح جبهة مع الصين

في المقابل، تتحرك الولايات المتحدة نحو زيادة الضغط الاقتصادي على إيران، إلا أن هذا الخيار لا يخلو من كلفة. فالصين تشتري جزءاً كبيراً من النفط الإيراني، فيما قد يؤدي تشديد العقوبات والضغوط الثانوية على الدول التي تتعامل مع طهران إلى فتح مواجهة اقتصادية أوسع بين واشنطن وبكين.

وحذر مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي من أن زيادة الضغوط الاقتصادية على إيران قد تؤدي إلى توترات أوسع مع الصين، فضلاً عن تداعيات محتملة على الاقتصاد العالمي.

وبذلك، لا تقتصر مشكلة واشنطن على عدم قدرتها على دفع إيران إلى قبول مطالبها، بل تشمل أيضاً صعوبة تنفيذ البدائل الأخرى. فاستمرار الحرب يعني ارتفاع الكلفة العسكرية والاقتصادية، بينما يؤدي تصعيدها إلى زيادة مخاطر توسع المواجهة واستهداف القواعد الأمريكية في المنطقة، في حين قد يفتح تشديد الضغط الاقتصادي جبهة أكثر توتراً مع الصين.

الفجوة بين القوة العسكرية والنتيجة السياسية

وتكتسب تصريحات سوليفان أهميتها من هذه المعادلة؛ إذ إن حديث مسؤول سابق عن «وقوع» واشنطن في مأزق الحرب يعكس مشكلة استراتيجية معروفة، وهي أن بدء الحرب قد يكون أسهل من تحديد كيفية إنهائها.

فإذا كان الهدف الأساسي هو تغيير سلوك إيران أو فرض مجموعة محددة من المطالب عليها، لكن الوصول إلى هذه الأهداف بعد أشهر من الحرب لا يزال يتطلب خيارات جديدة، فإن ذلك يعني أن كلفة المواجهة تجاوزت الحسابات الأولية.

كما انعكس هذا المأزق على المستوى الإقليمي. فقد أشار مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي إلى أن دول المنطقة بدأت تعيد حساباتها بشأن المخاطر المرتبطة بتراجع النفوذ الأمريكي، وظهرت تساؤلات حول مستقبل التزام واشنطن بأمن الشرق الأوسط.

ومن هذا المنظور، لا تتمثل القضية الأساسية بالنسبة للولايات المتحدة في حجم الأضرار التي تمكنت من إلحاقها بإيران فحسب، وإنما في مدى قدرتها على تحويل هذه الأضرار إلى نتيجة سياسية تتوافق مع أهدافها.

فالقوة العسكرية تستطيع استهداف البنية التحتية للطرف الآخر، لكنها لا تضمن بالضرورة تغيير سلوكه السياسي وفقاً للمطالب المطروحة. وعندما تصبح الخيارات المطروحة أمام القوة العسكرية الكبرى محصورة بين التصعيد، أو خفض التوتر، أو مواصلة حرب استنزاف طويلة، فإن الفارق بين التفوق العسكري والنجاح الاستراتيجي يصبح أكثر وضوحاً.

وعليه، فإن مأزق الولايات المتحدة في الحرب مع إيران لا يتعلق فقط بطول أمد المواجهة، بل يرتبط بصورة أعمق بصعوبة تحويل التفوق العسكري إلى نتيجة سياسية حاسمة.

ورغم امتلاك الولايات المتحدة واحدة من أقوى الجيوش في العالم، فإن مسار الحرب أظهر أن التفوق العسكري وحده لا يضمن لواشنطن تحديد موعد انتهاء الحرب وشروط انتهائها ونتيجتها السياسية.

وهنا تكمن إحدى أبرز المعضلات التي تواجهها واشنطن بعد سبعة أشهر من الحرب: فبدلاً من أن ينحصر النقاش في كيفية تحقيق النصر، أصبح جزء كبير من النقاش يدور حول كيفية إنهاء الحرب، وكلفة الخروج منها، والخيارات المتاحة أمام الولايات المتحدة لإنهاء مواجهة لم تسر وفق الحسابات الأولية.