وكالة مهر للأنباء: المشكلة في التفاوض مع الاحتلال الإسرائيلي لا تقتصر على احتمال انتهاك اتفاق بعينه، بل ترتبط بالمنظومة الأمنية والسياسية التي تحكم سلوك هذا الكيان. فعندما يكون الاحتلال والتوسع واستخدام القوة العسكرية جزءاً من هذه المنظومة، لا يمكن توقع أن يؤدي مجرد توقيع اتفاق إلى تغيير سلوكه الاستراتيجي.
حرب 2006.. تجربة تحمل دروساً للبنان
تشكل حرب عام 2006 في لبنان نموذجاً واضحاً على ذلك. فقد دخل الاحتلال الإسرائيلي الحرب معتمداً على تفوقه العسكري، لكنه لم يتمكن في النهاية من تحقيق أهدافه. ولم تقتصر أهمية تلك الحرب على انتهاء المواجهات، بل تمثلت أيضاً في تكريس معادلة رفعت كلفة أي عدوان عسكري على لبنان.
ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى أحد أبرز نتائج حرب 2006 في تكريس الردع، بما أظهر أن الاحتلال الإسرائيلي مضطر إلى احتساب كلفة خطواته عندما يواجه قوة قادرة على المقاومة.
لا يمكن شراء الأمن من مصدر التهديد
تحمل التجربة اللبنانية درساً مهماً، وهو أن الأمن لا يمكن طلبه حصراً من طرف يمثل في حد ذاته مصدر تهديد. فإذا أصبح أمن لبنان مرتبطاً بالضمانات الإسرائيلية أو بالقوى التي تقف إلى جانب الاحتلال، فإن جزءاً من الأمن الوطني اللبناني سيصبح عملياً رهناً بإرادة الطرف الآخر، وهو ما يتعارض مع مفهوم السيادة الوطنية.
ويكتسب التفاوض معنى حقيقياً عندما يعترف الطرفان بحقوق بعضهما البعض، ويلتزمان بتعهداتهما باعتبارها قواعد ملزمة. أما عندما يكون أحد الطرفين صاحب سجل طويل من الاحتلال وانتهاك الاتفاقات واستخدام القوة، فإن مجرد توقيع وثيقة لا يمكن أن يشكل ضمانة لتغيير سلوكه.
وفي مثل هذه الظروف، لا تضمن الاتفاقيةَ قوةُ نصها وحده، وإنما القوة القادرة على رفع كلفة انتهاكها.
التفاوض من موقع القوة أو الضعف
هنا يظهر الفرق بين «التفاوض من موقع القوة» و«التفاوض من موقع الضعف». فإذا دخل لبنان في مفاوضات من دون امتلاك قدرة ردع حقيقية، فإن أي مكاسب يمكن تحقيقها على طاولة الحوار ستظل عرضة للضغوط اللاحقة.
وقد يستخدم الطرف الآخر التهديد العسكري أو الضغط السياسي أو الأدوات الأمنية لطرح مطالب جديدة. وعندها قد يتحول التفاوض من وسيلة لإنهاء الأزمة إلى عملية للحصول على تنازلات إضافية بصورة تدريجية.
الردع لمنع الحرب وليس لإشعالها
من هذا المنظور، لا يمكن النظر إلى دور المقاومة في المعادلة الأمنية اللبنانية باعتباره مسألة عسكرية فقط. وبصرف النظر عن الخلافات الداخلية في لبنان بشأن دور المقاومة، فإن وجود قوة ردع يمكن أن يغير حسابات الاحتلال الإسرائيلي.
فالردع ليس من أجل بدء الحرب، وإنما من أجل منعها
فعندما يدرك الاحتلال الإسرائيلي أن أي عدوان سيترتب عليه ثمن، تتراجع حوافزه لشن مواجهة واسعة. وفي المقابل، فإن إلغاء الردع أو إضعافه من دون إيجاد بديل حقيقي قد يضع لبنان أمام مرحلة أكثر خطورة.
خطر تحول الاتفاق إلى أداة للضغط
إذا شعر الطرف الآخر بأن كلفة العدوان قد انخفضت، فإن الاتفاقات السياسية لن تكون بالضرورة قادرة على منع تصاعد الضغوط الأمنية والأطماع الإقليمية.
لذلك، لا يكمن خطر التسوية فقط في احتمال عدم تحقيقها النتائج المرجوة للبنان، بل في خطر أكبر يتمثل في تجريد لبنان من الأدوات التي يمكنه استخدامها في مواجهة الضغوط الإسرائيلية.
وتظهر تجارب العقدين الماضيين أن القوة ورفع كلفة الاعتداء يؤديان دوراً أساسياً في الحسابات الأمنية الإسرائيلية. فعندما يشعر الاحتلال بأن الطرف المقابل لا يمتلك القدرة على المقاومة، تزداد احتمالات تصعيد الضغوط، بينما يدفع وجود قوة ردع إلى إجراء حسابات أكثر دقة بشأن كلفة أي خطوة.
الأمن المستدام ينبع من القوة الوطنية
من هذا المنطلق، لا يمكن للتسوية مع الاحتلال الإسرائيلي أن تكون وحدها نقطة انطلاق نحو أمن مستدام في لبنان. فالأمن المستدام يتحقق عندما يمتلك لبنان القدرة على الدفاع عن حدوده وسيادته ومصالحه الوطنية، وعندما لا تتمكن أي جهة خارجية من فرض إرادتها على بيروت عبر التهديد والضغط.
وفي نهاية المطاف، لا تتمثل معضلة لبنان في الاختيار البسيط بين «الحرب» و«السلام»، وإنما بين سلام يستند إلى القوة وتسوية تقوم على الثقة بطرف يُنظر إليه باعتباره مصدراً للتهديد.
وقد ينجح التفاوض الذي لا يستند إلى قوة في خفض مستوى المواجهة لفترة من الزمن، لكنه لا يؤدي بالضرورة إلى إزالة جذور التهديد. وطالما استمر الاحتلال والتوسع، فإن التخلي عن الردع قد يؤدي إلى زيادة هشاشة لبنان.
وتحمل تجارب المنطقة رسالة واضحة: الاتفاق لا يمكن أن يتحول إلى ضمانة للأمن إلا إذا كانت هناك قوة قادرة على ضمان تنفيذه؛ وإلا فقد يتحول إلى أداة لتكريس الوضع القائم وزيادة الضغوط على الطرف الأضعف.
ومن ثم، إذا كان لبنان يريد تحقيق الأمن والاستقلال الحقيقيين، فلا يمكنه أن يجعل أمنه رهناً بوعود كيان يقوم سلوكه على القوة العسكرية والاحتلال. فأمن لبنان يجب أن يستند إلى القوة الوطنية والسيادة الفعلية والردع في مواجهة العدوان، لا إلى وعود تفتقر إلى ضمانات تنفيذية.

