وكالة مهر للانباء: بدأ دونالد ترامب الحرب مع إيران وفق حسابات افترضت أن القوة العسكرية الأمريكية ستتحول إلى مكسب سياسي، لكن مع مرور الوقت تتسع الفجوة بين هذه الحسابات والواقع. ولم يعد التحدي أمام الرئيس الأمريكي يقتصر على إدارة حرب خارجية، بل بات مضطراً لإدارة التكلفة السياسية لحرب قد تتحول، عشية انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر/تشرين الثاني، إلى أحد أبرز اهتمامات الناخبين الأمريكيين.
شبّهت صحيفة «الغارديان»، في تحليل للكاتب روبرت تايت، وضع ترامب بالتورط في «مستنقع حرب إيران»، في إشارة إلى تحول مهم في معادلة الحرب؛ فالحرب التي كان يفترض أن تكون جزءاً من استعراض قوة ترامب، قد تتحول الآن إلى نقطة ضعف له على الساحة السياسية الداخلية.
وتزداد هذه المخاوف عند استحضار التجارب التاريخية الأمريكية، إذ قارنت «الغارديان» وضع ترامب الحالي بالرئيس الأسبق جيمي كارتر عام 1979، عندما تحولت أزمة احتجاز الرهائن في إيران إلى عامل مهم في إضعاف موقعه السياسي، وانتهت بخسارته الانتخابات أمام رونالد ريغان. ورغم الاختلافات الكبيرة بين الظروف الحالية وأزمة الرهائن، فإن التشابه الأساسي يكمن في تحول أزمة مرتبطة بإيران من ملف للسياسة الخارجية إلى قضية داخلية للرئيس الأمريكي.
ويواجه ترامب هذا الخطر تحديداً، إذ يحتاج سياسياً إلى الحفاظ على صورة القوة والسيطرة والانتصار. وفي المقابل، فإن الانسحاب من الحرب من دون تحقيق مكاسب واضحة قد يحمّله كلفة سياسية، بينما قد يؤدي استمرارها إلى مزيد من التكاليف الاقتصادية والسياسية.
إيران تسعى إلى نقل كلفة الحرب إلى الداخل الأمريكي
في المقابل، لا تكتفي إيران بالرد على الهجمات الأمريكية، بل تسعى إلى نقل الكلفة السياسية للحرب إلى الداخل الأمريكي. ويرى ولي نصر، الباحث المتخصص في الشأن الإيراني بجامعة جونز هوبكنز، أن طهران مصممة على دفع ترامب إلى تحمل كلفة بدء الحرب في انتخابات التجديد النصفي.
ويمثل ذلك تحولاً في تعريف ساحة المواجهة؛ فإذا اقتصرت الحرب على المجال العسكري، فإن التفوق التكنولوجي والموارد الأمريكية يمنحان واشنطن أفضلية مهمة، لكن انتقال المواجهة إلى السياسة الداخلية الأمريكية يغير الحسابات بصورة كبيرة.
وتحاول إيران، وفق هذا التصور، تحويل الحرب من أزمة خارجية إلى قضية انتخابية، بحيث لا تقتصر الضغوط على واشنطن في الميدان العسكري، وإنما يشعر الناخب الأمريكي أيضاً بكلفة قرارات الإدارة، عبر ارتفاع أسعار الطاقة، والمخاوف من التضخم، والضغوط على الأسواق، وتزايد الإنفاق العسكري.
وهنا تتشابك الحرب الخارجية مع السياسة الداخلية الأمريكية؛ فالناخب قد لا يهتم كثيراً بتفاصيل التطورات في الشرق الأوسط، لكنه عندما ترتفع أسعار الوقود أو تكاليف المعيشة، تتحول الحرب من خبر بعيد إلى قضية تمس حياته اليومية.
ارتفاع أسعار الطاقة يهدد بتوسيع كلفة الحرب
وتكتسب تحذيرات الدبلوماسي الأمريكي السابق آلن آير بشأن ارتفاع أسعار الديزل واحتمال تشكل موجة تضخمية أهمية خاصة في هذا السياق. فإذا انتقلت زيادة تكاليف الطاقة إلى قطاعات أخرى من الاقتصاد، فقد تمتد تداعيات الحرب من الحكومة والجيش إلى الشركات والمزارعين والأسر الأمريكية.
وعندها لن يكون السؤال الرئيسي هو حجم القوة التي تمتلكها الولايات المتحدة في ساحة المعركة، بل إلى أي مدى يستطيع المجتمع الأمريكي تحمل كلفة هذه القوة.
طهران تسعى إلى انتزاع زمام المبادرة
من جهة أخرى، أشارت «الغارديان» إلى التغييرات الأخيرة في البنية الأمنية الإيرانية، معتبرة أنها تعكس توجهاً نحو سياسة أكثر هجومية. وفي هذا الإطار، تبدو الرسالة الإيرانية إلى واشنطن واضحة: الولايات المتحدة ليست وحدها من يحدد توقيت الحرب ومسارها.
وتسعى طهران، من خلال منح مهلة محدودة للعودة إلى التفاهم والتهديد بتصعيد الهجمات في حال فشل ذلك، إلى انتزاع زمام المبادرة من واشنطن.
ويمثل هذا الأمر تحدياً كبيراً لترامب، لأن الرئيس الذي يبدأ الحرب يكون عادة أكثر تعرضاً للضغوط لإنهائها بصورة يمكن تقديمها للرأي العام على أنها إنجاز. وفي المقابل، تستطيع إيران الانتظار ورفع كلفة استمرار الحرب، بينما سيكون ترامب مطالباً في نهاية المطاف بالإجابة عن سؤال أساسي: ما الذي حققته الحرب، ولماذا لا تزال الولايات المتحدة عالقة فيها؟
شبح كارتر يلاحق ترامب
وتشير مقارنة ترامب بجيمي كارتر، التي طرحها المحلل السياسي لاري ساباتو، إلى المعضلة نفسها؛ إذ يرى أن كارتر لم يتمكن من تغيير مسار أزمة إيران، وربما تكمن أبرز أوجه التشابه في أن ترامب قد يجد نفسه أمام ظروف يصعب معها تغيير المسار.
وتتمثل المشكلة الأساسية أمام ترامب حالياً في أن استمرار الحرب قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليفها الاقتصادية والانتخابية، بينما قد يؤدي إنهاؤها من دون تحقيق انتصار واضح إلى إضعاف صورة «ترامب القوي»، ما يمنح خصومه في الداخل فرصة أكبر لمساءلة أداء إدارته.
الحرب الإيرانية والاختبار الانتخابي
وعليه، فإن أهمية الحرب مع إيران بالنسبة إلى ترامب لا تتوقف عند نتائجها العسكرية، بل تتمثل في قدرته على إنهائها قبل أن تتحول تكاليفها إلى عامل حاسم في الانتخابات.
وفي حال طال أمد الحرب، فقد تظهر مجدداً حقيقة تاريخية مفادها أن مشكلة الرؤساء الأمريكيين في مواجهة إيران لا تتمثل دائماً في الخسارة العسكرية، بل أحياناً في العجز عن تحويل القوة العسكرية إلى نتيجة سياسية قابلة للدفاع عنها أمام الرأي العام.
وهنا تحديداً يمكن للحرب أن تتجاوز ميدان المعركة، لتصل مباشرة إلى صناديق الاقتراع.

