وكالة مهر للأنباء: في الأيام الأولى للحرب، سعت إدارة دونالد ترامب إلى تقديم صورة عن عملية ناجحة وحاسمة، لكن بعد مرور ستة أشهر، لم يعد الجدل حول نتيجة الحرب مقتصراً على معارضي ترامب، بل تحول إلى أحد أبرز الموضوعات المطروحة في المشهد السياسي الأميركي.
ووصفت نانسي بيلوسي، رئيسة مجلس النواب الأميركي السابقة، في منشور على منصة «إكس»، العملية العسكرية التي نفذتها إدارة ترامب، بسخرية، بأنها «هزيمة ملحمية»، مشيرة إلى أنها، رغم إنفاق مليارات الدولارات، لم تحقق حتى «هدفاً استراتيجياً واحداً». كما انتقدت مقتل 19 عسكرياً أميركياً وإصابة أكثر من 750 آخرين خلال الحرب، ووصفت هذا الصراع بأنه «خطأ كارثي».
كما شكك تشاك شومر، زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ، في رواية إدارة ترامب بشأن نتائج الحرب. وقال إن الحرب أدت إلى ارتفاع أسعار الوقود واضطراب الأسواق العالمية، فيما لا تزال إيران تسيطر على مضيق هرمز.
وتتلخص أهمية هذه التصريحات في نقطة واحدة: فقد انتقل النقاش في الولايات المتحدة من سؤال «من الأقوى في ساحة المعركة؟» إلى سؤال آخر أكثر أهمية، وهو «من تمكن من تحويل قوته العسكرية إلى نتيجة سياسية؟». وهذان أمران مختلفان.
ولا تزال الولايات المتحدة أكبر قوة عسكرية في العالم، وتمتلك قدرات واسعة لتنفيذ عمليات عسكرية على نطاق كبير. لذلك، لا يمكن تفسير نتائج الحرب ببساطة من خلال تجاهل القوة العسكرية الأميركية أو الخسائر التي تكبدتها إيران. فالمسألة الأساسية تقع على المستوى الاستراتيجي، أي ما إذا كانت العمليات العسكرية قد تمكنت من تحقيق الأهداف التي دخلت واشنطن الحرب من أجلها أم لا.
وفي هذا السياق، تحول مضيق هرمز إلى أحد أهم مؤشرات الوضع الراهن. فحالة الملاحة والسيطرة على هذا الممر المائي ترتبطان بشكل مباشر بأسواق الطاقة والاقتصاد العالمي، واستمرار الأزمة في هذه المنطقة ينقل الضغوط الاقتصادية من ساحة الحرب إلى داخل الولايات المتحدة أيضاً.
ولهذا السبب، يتركز جزء من النقاشات في واشنطن حالياً حول ما إذا كان استمرار الحرب يمكن أن يؤدي إلى نتيجة مختلفة، أم أن الولايات المتحدة ينبغي أن تبحث عن سبيل لإنهاء الأزمة.
مقال ألن آير.. حان وقت ابتلاع الضفدع
وفي خضم هذا الجدل، يلفت مقال ألن آير، الدبلوماسي الأميركي والعضو السابق في الفريق الرئيسي للمفاوضات النووية مع إيران، المنشور في «الجزيرة»، الانتباه. وحمل المقال عنوان «حان وقت ابتلاع الضفدع»، في إشارة إلى الخيار الصعب الذي تواجهه إدارة ترامب.
ويرى آير أن الإدارة الأميركية، بعد ستة أشهر من الحرب، توصلت إلى حقيقة مفادها أن التفوق العسكري الأميركي لا يؤدي بالضرورة إلى نجاح استراتيجي. لكنه يرى في الوقت نفسه أن استبدال الحرب بضغوط اقتصادية شديدة لا يحل المشكلة بالضرورة.
وتسعى وزارة الخزانة الأميركية إلى تشديد العقوبات الثانوية على الدول التي تتعامل تجارياً مع إيران، بهدف معلن يتمثل في زيادة الضغط الاقتصادي على طهران. لكن آير يتساءل: إذا كان الهدف النهائي لهذه السياسة هو انهيار الاقتصاد الإيراني، فما الذي سيحدث بعد ذلك؟
ومن وجهة نظره، إذا كان هدف واشنطن إجبار إيران على التراجع عن خطوطها الحمراء، ولا سيما في الملف النووي، فإن الوصول إلى هذه النتيجة لن يكون سهلاً عبر الضغوط الاقتصادية.
ويحذر الدبلوماسي الأميركي أيضاً من أن زيادة الضغوط قد تؤدي، بدلاً من الاستسلام، إلى تصعيد التوتر، لأن الطرف الآخر يمتلك في الحرب خيارات وقدرة على الرد.
ويطرح آير ثلاث مشكلات أساسية أمام نجاح سياسة الضغط الاقتصادي: تعاون الشركاء التجاريين الرئيسيين لإيران، وتوافر الوقت الكافي، وقدرة جهاز السياسة الخارجية الأميركية على تنفيذ حملة معقدة ومتعددة الأطراف.
ويكتسب دور الصين أهمية خاصة في هذا السياق. فإذا كان من المقرر تنفيذ الضغط الاقتصادي بصورة فعالة، فإن تعاون أهم الشركاء التجاريين لإيران سيكون ضرورياً، في وقت لا تبدو فيه بكين مستعدة بالضرورة لتكييف سياستها الاقتصادية وفقاً لمطالب واشنطن.
لكن الجزء الأهم في تحليل آير يتعلق بمسار الخروج.
ويرى أن على الولايات المتحدة، بدلاً من محاولة تحقيق جميع أهدافها، أن تركز على هدف محدد وعاجل، يتمثل في إعادة حركة السفن في مضيق هرمز إلى طبيعتها بأسرع وقت ممكن.
ابتلاع الضفدع.. البحث عن مخرج سياسي
وبحسب تعبير آير، يتعين على ترامب أن «يبتلع الضفدع»، أي أن يقبل بأنه قد يضطر إلى التراجع عن جزء من مطالبه، لكنه في الوقت نفسه يستطيع تقديم الاتفاق داخل الولايات المتحدة باعتباره انتصاراً.
وهذا الاقتراح، حتى إذا لم نتفق مع جميع جوانبه، يكشف نقطة مهمة بشأن وضع الحرب: فالمشكلة الأساسية بالنسبة إلى واشنطن لم تعد تقتصر على مواصلة العمليات العسكرية، بل باتت تتمثل أيضاً في إيجاد مخرج سياسي.
فترامب من جهة لا يريد أن يُنظر إلى نهاية الحرب باعتبارها تراجعاً أميركياً، ومن جهة أخرى قد يؤدي استمرار الأزمة إلى تكبيد الاقتصاد والسياسة الداخلية في الولايات المتحدة مزيداً من التكاليف.
وتزداد أهمية هذه المسألة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي الأميركية. ويرى آير أن تحمل الكلفة السياسية لاتفاق في المرحلة الحالية قد يكون أقل تكلفة على إدارة ترامب من استمرار الحرب ومواجهة أخبار اقتصادية سيئة خلال الأشهر المقبلة.
وفي مثل هذه الظروف، لم يعد مفهوما «النصر» و«الهزيمة» بسيطين. فقد يتحدث طرف عن تفوقه العسكري، بينما يؤكد الطرف الآخر أن الأهداف السياسية للحرب لم تتحقق. وينبغي البحث عن الحقيقة في المسافة الفاصلة بين هاتين الروايتين.
بعد ستة أشهر، لم تفرز الحرب بعد نتيجة سياسية نهائية ومتفقاً عليها بين الطرفين. ولا تزال الولايات المتحدة تمتلك قوة عسكرية هائلة، لكن هذه القوة لم تتمكن من تحويل جميع الأهداف التي أرادتها واشنطن إلى نتيجة سياسية واضحة.
وفي المقابل، لا تواجه إيران وضعاً بسيطاً ومن دون تكاليف، إذ إن استمرار الأزمة قد يؤدي إلى مزيد من الضغوط الاقتصادية والأمنية.
وعليه، قد تتشكل النقطة الحاسمة في الحرب، ليس عبر هجوم عسكري آخر، بل على طاولة المفاوضات. وإذا خلصت واشنطن إلى أن استمرار الحرب بات أكثر كلفة من المكاسب المحتملة منها، فقد تتحول المفاوضات إلى خيار جدي.
وفي نهاية المطاف، فإن السؤال الأساسي بعد ستة أشهر ليس أي طرف يمتلك قوة أكبر، بل أي طرف يستطيع تحويل هذه القوة إلى نتيجة سياسية مستدامة.
ولعل هذا هو السبب في أن النقاش الدائر في واشنطن بدأ ينتقل تدريجياً من سؤال «كيف نحقق النصر؟» إلى سؤال أكثر أهمية: كيف نخرج من هذه الحرب؟

