وكالة مهر للأنباء _ بالنسبة للولايات المتحدة، لا تُعدّ حرب إيران مجرد صراع عسكري آخر في غرب آسيا، بل كشفت عن قيود قد تُغيّر حسابات واشنطن بشأن كيفية استخدام القوة العسكرية. في مقال نُشر في صحيفة وول ستريت جورنال، يُجادل الكاتب والمحلل الأمريكي ويليام غالستون بأن الصراع قد كشف عن الفجوة بين التزامات أمريكا العالمية وقدرتها الفعلية على تنفيذها في آنٍ واحد.
تكمن أهمية هذا التحليل في أن غالستون لا يُضيّق نطاق المسألة على نتيجة عملية عسكرية، بل يتحدث عن مشكلة هيكلية. فبحسب كتاباته، أظهرت حرب إيران أنه حتى لو كانت الولايات المتحدة تتمتع بتفوق نوعي في التكنولوجيا العسكرية، فإن استمرار الصراع قد يُرهق مخزونات الذخائر المتقدمة. وتزداد أهمية هذه المسألة عندما تواجه الولايات المتحدة في الوقت نفسه التزامات أمنية مختلفة في أوروبا وشرق آسيا وغرب آسيا.
هنا يُطرح مفهوم "القوة" في السياسة الخارجية الأمريكية تساؤلاً جدياً. فالقوة العسكرية ليست مجرد عدد الطائرات المقاتلة أو السفن أو الصواريخ المتقدمة؛ إن القدرة على شراء هذه المعدات واستبدالها وصيانتها على مدى فترة طويلة تُعد جزءًا من القوة الحقيقية. فإذا كان بإمكان دولة ما تنفيذ عمليات واسعة النطاق في غضون أسابيع قليلة، ولكنها تواجه قيودًا في استبدال الذخيرة المستهلكة، فهناك فجوة بين قوتها الكامنة وقوتها الفعلية.
يشير غالستون أيضًا إلى ضعف هيكلي في صناعة بناء السفن الأمريكية. تمتلك الصين حصة كبيرة من طاقة بناء السفن العالمية، ويتعين على الولايات المتحدة إيلاء المزيد من الاهتمام لقدرات حلفائها، مثل كوريا الجنوبية واليابان، لتعويض تأخرها. هذه ليست مجرد قضية صناعية؛ ففي منافسة طويلة الأمد بين القوى العظمى، تؤثر القدرة على بناء السفن والمعدات البحرية واستبدالها بشكل مباشر على القوة العسكرية.
ولكن ربما يكون الدرس الأهم للولايات المتحدة من حرب إيران هو محدودية القوة الجوية. تستطيع الولايات المتحدة استخدام التفوق الجوي والأسلحة الدقيقة لإلحاق أضرار جسيمة بالبنية التحتية لأي دولة؛ إلا أن تدمير الأهداف العسكرية لا يعني بالضرورة فقدان الدولة قدرتها على مواصلة المقاومة أو إنتاج المعدات. في حالة إيران، زاد تشتت بعض البنى التحتية وعمقها، بالإضافة إلى إمكانية نقل القدرات الإنتاجية إلى مناطق أكثر أمانًا، من تعقيد المسألة.
يُبرز هذا حقيقةً مهمةً عن حروب اليوم: إن تدمير جزء من القدرات العسكرية لدولة ما لا يعني بالضرورة تدمير قدرتها على مواصلة القتال. قد تتمكن الولايات المتحدة من تدمير أهداف محددة بدقة عالية، ولكن إذا استطاع الطرف الآخر إعادة بناء قدراته، فإن النتيجة العسكرية لا تُترجم بالضرورة إلى نتيجة سياسية.
من جهة أخرى، جاء الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة بتكاليف ومخاطر. فقد تعرضت القواعد الأمريكية في دول مختلفة بالمنطقة لهجمات، وفي الوقت نفسه، تأثرت خطوط الطاقة والشحن بالصراع. في ظل هذه الظروف، لا تواجه واشنطن تكلفة العمليات ضد إيران فحسب، بل تواجه أيضًا تكلفة حماية شبكتها الواسعة من القواعد والقوات والطرق الحيوية.
ثمة مفارقة هامة: يتعين على الولايات المتحدة الحفاظ على وجود عسكري كبير في المنطقة لضمان الأمن الذي تنشده، ولكن كلما ازداد هذا الوجود، زادت نقاط الضعف المحتملة وارتفعت تكلفة الحفاظ عليه. لذا، لا يقتصر الأمر على حجم القوة العسكرية التي تمتلكها الولايات المتحدة، بل الأهم هو حجم التكلفة والمخاطر التي ترغب في تحملها للحفاظ على هذا المستوى من الوجود.
بالطبع، هذا لا يعني أن الولايات المتحدة فقدت القوة العسكرية اللازمة للتواجد في غرب آسيا، أو أنها ستنسحب من المنطقة فورًا. فما زالت واشنطن تمتلك شبكة واسعة من الحلفاء والقواعد والتكنولوجيا العسكرية والقوة الاقتصادية. لذلك، ينبغي التعامل بحذر مع الحديث عن "انسحاب أمريكي". ما يمكن أن يتغير هو شكل ونطاق الوجود الأمريكي، والأهم من ذلك، استعداد واشنطن للدخول مباشرة في حروب كبرى جديدة.
تزداد أهمية هذه المسألة عندما تعتبر الولايات المتحدة الصين منافسها الاستراتيجي الأهم. قد تُكبّد أي حرب جديدة واشنطن تكلفة باهظة إذا اضطرت إلى نقل بعض أصولها البحرية أو قدراتها العسكرية الأخرى من شرق آسيا للمشاركة في صراع في غرب آسيا. بعبارة أخرى، أثارت الحرب مع إيران تساؤلاً حول ما إذا كان بإمكان الولايات المتحدة الاستمرار في كونها القوة العسكرية المهيمنة في جميع مناطق العالم في آن واحد، أم أنها مضطرة للاختيار بين أولوياتها.
من هذا المنظور، لعلّ أهم رسالة للحرب الإيرانية بالنسبة للولايات المتحدة ليست الهزيمة أو النصر في ساحة محددة، بل كشفها عن قصور نموذج "التدخل العسكري لحل المشاكل السياسية". فقد أظهرت تجربة العقدين الماضيين في غرب آسيا أن التفوق العسكري قادر على تغيير موازين القوى، لكنه لا يستطيع بالضرورة خلق النظام السياسي الذي تطمح إليه واشنطن.
يرى غالستون أن الحرب الإيرانية ستُمثّل على الأرجح نهاية حقبة لجأت فيها الولايات المتحدة مرارًا وتكرارًا إلى القوة العسكرية لتوجيه مسار الأحداث في غرب آسيا على مدى ربع القرن الماضي. وإذا ما حدث هذا التغيير، فلن يعني بالضرورة انسحابًا أمريكيًا من المنطقة، بل قد يعني تحولًا من الوجود المباشر والتدخل العسكري الواسع النطاق نحو اعتماد أكبر على الحلفاء الإقليميين، والردع عن بُعد، والتفاوض.
في ظل هذه الظروف، ستُجبر دول المنطقة أيضًا على إعادة النظر في حساباتها الأمنية. وقد يدفع التراجع المحتمل في رغبة الولايات المتحدة في الانخراط المباشر في الصراعات الكبرى الدول العربية نحو ترتيبات أمنية أكثر استقلالية. يتمثل التحدي الرئيسي لهذه الدول في كيفية تحقيق التوازن بين الاعتماد على الولايات المتحدة، والتعامل مع إيران، وإنشاء آليات إقليمية جديدة.
لذا، قد لا تكون الحرب الإيرانية نهاية الوجود الأمريكي في غرب آسيا، بل نهاية لمفهوم قديم للقوة الأمريكية: قدرة واشنطن، في أي وقت، على الاعتماد على تفوقها العسكري لتغيير المعادلات الإقليمية وفقًا لأهدافها. وقد كشفت هذه الحرب عن الفجوة بين القدرة على إلحاق الضرر والقدرة على تحديد النتائج السياسية؛ وهي فجوة قد تكون من أهم العوامل التي ستؤثر على مراجعة الولايات المتحدة لسياستها العسكرية في غرب آسيا خلال السنوات القادمة.

