کد خبر: 571844
۰
PNAZAR
نسخه چاپی

الشعب الإيراني؛ العامل في فشل الحسابات الأمريكية

وكالة مهر للأنباء - الحرب التي كان يُفترض أن تُضعف إيران وتُؤجّج الصراع بين المجتمع الإيراني ونظامها السياسي، أصبحت عاملاً في تعزيز التضامن الوطني وتغيير حسابات واشنطن. وخلافاً لتصورات مُخططي سياسة الضغط القصوى، ميّز الشعب الإيراني بين انتقاد بعض القضايا الداخلية والدفاع عن البلاد ضد العدوان الخارجي؛ وهو تمييزٌ، إن تم تجاهله، قد يُؤدي إلى فشل الاستراتيجيات التي اعتمدت على تآكل التماسك الداخلي لإيران.

تتناول مجلة "فورين أفيرز" الأمريكية هذه القضية في تحليلٍ بعنوان "نظرية انتصار إيران"، وتُوضح أنه، خلافاً للتوقعات الأولية، فشلت الهجمات العسكرية والضغوط الاقتصادية في تحقيق الأهداف الاستراتيجية للولايات المتحدة والكيان الصهيوني. ويُشير التحليل إلى أن: "الشعب الإيراني لا ينظر إلى الحرب الأمريكية الإسرائيلية على أنها تحرير، بل ينظر إليها على أنها عدوانٌ غير مُبرر، وقد أدى الشعور القومي الناجم عنها إلى طمس حدود الفصائل السياسية وتقليل احتمالية حدوث انتفاضة سياسية أخرى. لقد قوت هذه الحرب الجمهورية الإسلامية".

تكمن أهمية هذا التقييم في أن نتيجة المواجهة لا يمكن قياسها فقط بناءً على حجم الأضرار العسكرية، أو تدمير البنية التحتية، أو الضغوط الاقتصادية. ففي الحسابات الاستراتيجية، يلعب المجتمع ورد فعل الشعب على الأزمة دورًا حاسمًا. قد يواجه بلد ما صعوبات اقتصادية جسيمة، وقد تتضرر أجزاء من بنيته التحتية، لكن هذا الوضع لا يعني بالضرورة فشلًا سياسيًا أو انهيارًا لتماسكه الوطني. خاصةً عندما يرى الشعب أن السبب الرئيسي للأزمة ليس نزاعات داخلية، بل هجومًا خارجيًا وتهديدًا لوجود بلادهم.

التفاوت بين عدم الرضى الداخلي ورد الفعل على العدوان الخارجي

من أخطاء واشنطن تجاهل الفرق بين السخط الاجتماعي والاقتصادي في إيران ورد فعل المجتمع على هجوم عسكري أجنبي. إن عدم الرضا عن الظروف المعيشية، والمطالب السياسية، وانتقاد أداء المسؤولين حقائق لا يمكن إنكارها؛ لكن هذه المطالب لا تعني أن المجتمع الإيراني سيسير في نفس الاتجاه الذي يتوقعه مخططوه في مواجهة أي ضغط خارجي.

في الواقع، يمكن للضغوط الخارجية أن تُغيّر أولويات المجتمع. فعندما يشعر الناس بأن أمن بلادهم أو استقلالها أو سلامتها مُهددة، قد يُهمّشون مؤقتًا النزاعات الداخلية ويجعلون الدفاع عن الوطن أولويتهم المشتركة. لا يعني هذا بالضرورة اختفاء جميع النزاعات أو الانتقادات، بل يُظهر أن للهوية الوطنية والحساسية تجاه استقلال البلاد قدرةً مستقلة عن النزاعات السياسية.

من هذا المنظور، فإن التوقع بأن القصف والضغوط الاقتصادية ستؤدي تلقائيًا إلى احتجاجات ضد النظام السياسي الإيراني يستند إلى فهمٍ قاصر للمجتمع الإيراني. يُختزل هذا التوقع الشعب إلى مجرد متغير خاضع للضغوط العسكرية، وكأن كلما زادت التكاليف الاقتصادية والبشرية، زاد احتمال دعم المجتمع لأهداف المعتدي. مع ذلك، في كثير من الحالات، يُمكن للهجوم الأجنبي أن يُعزز الشعور بالتهديد المشترك ويُوسّع الفجوة بين المجتمع المستهدف والمهاجمين.

لماذا تأتي الضغوط الخارجية بنتائج عكسية؟

قد تُؤدي الضغوط الاقتصادية والعسكرية إلى التغييرات السياسية التي يرغب بها مُنفذوها عندما تكون هناك علاقة وثيقة بين الضغط المُمارس والنتيجة السياسية المتوقعة. لكن هذه العلاقة ليست مؤكدة، ولا تسير على المنوال نفسه في جميع المجتمعات. قد تزيد العقوبات من تكلفة المعيشة، وتعطل النشاط الاقتصادي، وتضغط على شرائح مختلفة من المجتمع؛ ومع ذلك، فإن ما إذا كانت هذه الضغوط ستضعف الحكومة، أو تقوي المعارضة، أو تزيد من التضامن الوطني، يعتمد على عدة عوامل.

أحد هذه العوامل هو تصور المجتمع لغرض الضغط. فإذا اعتقد الناس أن الإجراءات الخارجية تهدف إلى تحسين ظروفهم المعيشية، فقد يكون رد فعلهم مختلفًا عما لو رأوا هذه الإجراءات محاولة لفرض إرادة سياسية أو إضعاف بلادهم. عندما يترافق هجوم عسكري مع تهديدات واسعة النطاق للبنية التحتية والقدرات الوطنية، يتعزز التصور بأن المسألة ليست مجرد نزاع مع حكومة، بل هي مسألة تتعلق بأمن البلاد ومستقبلها.

يؤكد تحليل مجلة الشؤون الخارجية أيضًا على هذا التغير في المناخ الاجتماعي. فبحسب هذا التقييم، بدلًا من تحويل الانقسامات السياسية القائمة إلى عامل زعزعة استقرار واسع النطاق، ساهمت الهجمات الخارجية في بعض الأحيان في تعزيز النزعة القومية وطمس الحدود بين الفصائل. ويُظهر هذا التوجه أن الضغط الخارجي، خلافًا لافتراض بعض صانعي السياسة الأمريكيين، لا يؤدي إلى إضعاف الإرادة الوطنية، بل قد يزيد من دافعية الدفاع عن الوطن بين الجماعات التي كانت على خلافات حادة قبل الأزمة.

الشعب: عامل حاسم في نتائج المواجهة

لا تقتصر القوة الوطنية على القوة العسكرية أو القدرة الاقتصادية أو مستوى الوصول إلى التقنيات المتقدمة فحسب، بل تُعتبر قدرة المجتمع على الحفاظ على تماسكه في أوقات الأزمات جزءًا من قوة الدولة. فالدولة القادرة على الحفاظ على الروابط الاجتماعية والشعور بالمسؤولية الوطنية في مواجهة الضغوط الخارجية تمتلك قدرة لا تستطيع الحسابات العسكرية وحدها تفسيرها بالكامل.

وفي الوقت نفسه، يجب دراسة دور الأمة الإيرانية في سياق التجربة التاريخية للبلاد. شكّلت الحساسية تجاه الاستقلال، والتدخل الأجنبي، ومحاولات فرض إرادة القوى العظمى، مواضيعَ مهمة في تشكيل الذاكرة السياسية الإيرانية. لا يعني هذا بالضرورة أن جميع الناس يتفقون في آرائهم حول القضايا الداخلية أو السياسة الخارجية؛ بل يُظهر أنه في ظلّ التهديدات الخارجية البارزة، يُمكن أن يُصبح الانتماء الوطني أرضيةً مشتركةً بين جماعاتٍ تتباين آراؤها عادةً.

بالطبع، لا ينبغي فهم تعزيز التضامن الوطني خلال الأزمات على أنه إلغاءٌ نهائيٌّ للمطالب الاجتماعية أو حلٌّ للمشاكل الاقتصادية. فضغوط المعيشة لا تزال تُؤثّر على حياة الناس، وبعد انحسار التهديد الخارجي، قد تعود المطالب الداخلية للظهور. مع ذلك، يُبيّن هذا التمييز أن السخط الداخلي لا يُمكن استخدامه كأداةٍ حاسمةٍ لتحقيق أهدافٍ عسكريةٍ وسياسيةٍ أجنبية. فالمجتمع الذي ينتقد أداء مسؤوليه لا يُريد بالضرورة تدخلاً عسكرياً أجنبياً أو إضعاف بلاده.

بالنسبة لصنّاع السياسة الأمريكيين، فإنّ رسالة هذا الواقع واضحة: فهم المجتمع الإيراني دون مراعاة هويته الوطنية، وتجربته التاريخية، وحساسيته تجاه الاستقلال، سيؤدي إلى تقييماتٍ ناقصة. إن الاعتماد على افتراض أن زيادة الضغط ستؤدي تلقائيًا إلى تغيير الإرادة السياسية للشعب لصالح واشنطن قد يُعمي صانع القرار نفسه عن العواقب الحقيقية لقراراته.

في نهاية المطاف، لا يمكن تقييم نجاح أو فشل أي استراتيجية ضد إيران بمجرد عدد الهجمات أو حجم الأضرار أو شدة العقوبات. يبقى أن نرى ما هي العواقب السياسية والاجتماعية التي ترتبت على هذه الإجراءات، وما إذا كانت قد نجحت في دفع المجتمع نحو الأهداف المعلنة لواضعيها. ما يُبرزه تحليل مجلة "فورين أفيرز" هو الفجوة بين التوقعات الأمريكية واستجابة المجتمع الإيراني. يُعد تجاهل دور الأمة أحد أهم نقاط الضعف في هذه الحسابات؛ لأن الضغط الخارجي لا يضمن بالضرورة انهيار التماسك الداخلي، بل قد يؤدي في بعض الحالات إلى نتيجة عكسية، ويعزز الإرادة الوطنية للدفاع عن الوطن.