وكالة مهر للأنباء - أثارت أكثر من سبعة أشهر من المواجهة العسكرية مع إيران تساؤلات هامة حول قدرة أمريكا على تحقيق أهدافها السياسية؛ فهل يمكن لتفوق واشنطن العسكري أن يُفضي إلى استسلام إيران؟ تُظهر تجربة المواجهات العسكرية وجود فجوة كبيرة بين القدرة على إلحاق الضرر وتحقيق النصر الاستراتيجي؛ فجوة قد يُكلف تجاهلها المعتدي ثمناً باهظاً.
انتقد الخبير الاقتصادي الأمريكي جيفري ساكس سياسات واشنطن ونهج القادة الأوروبيين، مؤكداً: "من الواضح أن أمريكا عاجزة عن هزيمة إيران". وفي إشارة إلى الهجوم الأمريكي على إيران ومقتل بعض مواطنيها، يقول إنه لا يوجد مبرر لهذه الحروب. كما انتقد ساكس القادة الأوروبيين الذين يُنفقون مليارات الدولارات على الصواريخ والمعدات العسكرية في ظل ارتفاع تكاليف الطاقة واحتجاجات الشباب في فرنسا وألمانيا ودول أوروبية أخرى.
لا تكمن أهمية هذه التصريحات في معارضة خبير اقتصادي أمريكي للسياسات العسكرية لواشنطن فحسب، بل في التساؤل الذي تُثيره حول منطق هذه المواجهة. إذا كان الهدف من الضغط العسكري هو إجبار إيران على التراجع وقبول مطالب أمريكا، فلا بد من دراسة ما إذا كانت الوسائل العسكرية المستخدمة قادرة فعلاً على تحقيق هذا الهدف أم أنها تزيد فقط من تكاليف المواجهة.
الفجوة بين القوة العسكرية والنصر الاستراتيجي
من الأخطاء الشائعة لدى القوى العظمى مساواة التفوق العسكري بالقدرة على فرض الإرادة السياسية. تمتلك الولايات المتحدة قدرات جوية وصاروخية واستخباراتية واسعة النطاق، ويمكنها إلحاق أضرار جسيمة بالبنية التحتية والقوة العسكرية لأي دولة؛ لكن هذه القدرة في حد ذاتها لا تعني النصر السياسي. كما أظهر تاريخ المواجهات العسكرية مراراً وتكراراً أن القدرة على التدمير لا تُترجم بالضرورة إلى القدرة على تحديد المصير السياسي للطرف الآخر.
في الواقع، يجب التمييز بين تدمير قدرات دولة ما وإجبارها على قبول مطالب الطرف الآخر. قد تُسبب الهجمات العسكرية أضراراً جسيمة، لكن نتائجها السياسية لن تكون بالضرورة متوافقة مع رغبات المهاجم. لا يُقاس النجاح الاستراتيجي بحجم الضرر المُلحق فحسب، بل بمدى تحقيق الأهداف التي انطلقت العملية العسكرية من أجلها. إيران ليست مجرد مجموعة من المنشآت العسكرية التي يمكن مهاجمتها لتحديد نتيجة المواجهة النهائية. فالحجم الجغرافي والموقع الاستراتيجي والقدرات الدفاعية والقدرة على الرد والإرادة السياسية كلها عوامل مؤثرة في حسابات أي قوة معتدية. علاوة على ذلك، فإن موقع إيران في المنطقة وأهمية الخليج الفارسي ومضيق هرمز يوسعان نطاق عواقب أي تصعيد للمواجهة إلى ما وراء حدودها.
لذا، فإن أي تقييم لنتائج المواجهة مع إيران يركز فقط على عدد الطائرات والصواريخ وحجم الأضرار الناجمة عنها، يقدم صورة غير مكتملة للواقع. فالقوة العسكرية عنصر من عناصر القوة، لكن النتيجة النهائية تعتمد على مجموعة من العوامل العسكرية والسياسية والاقتصادية والإقليمية.
التكاليف التي تعود على الغرب
يتناول جزء آخر من تصريحات ساكس العواقب الاقتصادية والاجتماعية لهذا النهج على أوروبا. فارتفاع تكاليف الطاقة والضغط على الميزانيات العامة وتخصيص المزيد من الموارد للتسلح يثير تساؤلات جدية حول أولويات الحكومات الأوروبية. في ظلّ الضغوط المالية التي تواجهها الأسر والشركات، قد يصبح توسيع الإنفاق العسكري قضيةً خلافيةً في السياسات الداخلية لهذه الدول.
إنّ أيّ تصعيدٍ لانعدام الأمن في الخليج الفارسي ومضيق هرمز، ذوي الأهمية الاستراتيجية، قد يؤثر على التجارة والنقل البحري وسوق الطاقة العالمي. لذا، فإنّ عواقب المواجهة مع إيران لا تقتصر بالضرورة على أطرافها المباشرة.
هذه المسألة مهمةٌ أيضاً للولايات المتحدة. فإلى جانب التكاليف المباشرة للعمليات العسكرية، يتعيّن على واشنطن أن تأخذ في الحسبان التداعيات الاقتصادية، والضغط على الحلفاء، واحتمالية انتشار عدم الاستقرار الإقليمي. إذا ما تمّ اتباع سياسةٍ تهدف إلى تعزيز الأمن وتثبيت الموقف الاستراتيجي الأمريكي، ولكنها في الواقع تؤدي إلى زيادة حالة عدم اليقين وفرض تكاليف أكبر على الحلفاء، فسيكون من الضروري تقييم فعاليتها.
لماذا يُعدّ استسلام إيران هدف غير قابل للتحقيق؟
يكمن جوهر المواجهة الأمريكية الإيرانية في الفرق بين ممارسة الضغط وتحقيق النتيجة السياسية المرجوة. قد تعتقد واشنطن أن تصعيد الضغط العسكري سيزيد من تكلفة استمرار المقاومة بالنسبة لطهران ويجبرها على تغيير حساباتها؛ لكن هذه النتيجة ليست مؤكدة. كما أن حسابات الطرف الآخر، وقدراته الداخلية، وإرادته السياسية، وتقييمه لعواقب التراجع، كلها عوامل مؤثرة في عملية صنع القرار.
إذا أدى الضغط الخارجي إلى تعزيز إرادة المقاومة وزيادة تكلفة استمرار المواجهة بالنسبة للمعتدي، فإن الاستراتيجية التي بدأت بهدف فرض الإرادة قد تنحرف عن تحقيق هدفها الرئيسي. في مثل هذه الظروف، لا يعني تصعيد الهجمات بالضرورة الاقتراب من النصر؛ بل قد يؤدي إلى توسيع نطاق الأزمة وتعقيد مسار التوصل إلى حل سياسي.
كما أن إرادة إيران في الدفاع عن استقلالها ومصالحها الوطنية عامل مهم في حسابات الطرف الآخر. أي استراتيجية تقوم على افتراض استسلام إيران النهائي للضغط العسكري لن تقدم تقييمًا كاملًا للواقع دون أخذ هذا العامل في الحسبان. إن القدرة على المقاومة ومواصلة صنع القرار السياسي، إلى جانب القدرات الدفاعية والمواقع الاستراتيجية، من شأنها أن تحدّ من حسابات المهاجم.
يمكن اعتبار تصريحات جيفري ساكس مؤشراً على التشكيك في الأوساط الأمريكية حول جدوى المواجهة العسكرية. لا يعني هذا الرأي أن الولايات المتحدة عاجزة عن إلحاق الضرر، بل يؤكد على محدودية القوة العسكرية في تحقيق الأهداف السياسية. قد تتمكن واشنطن من إلحاق أضرار جسيمة، لكن هذا وحده لا يثبت قدرتها على إجبار إيران على الاستسلام.
في نهاية المطاف، لا يكمن المقياس الحقيقي للنجاح الأمريكي في شدة القصف، بل في تحقيق الأهداف السياسية المعلنة. إذا كان الهدف هو استسلام إيران وفرض إرادة واشنطن، فإن التفوق العسكري وحده لا يضمن تحقيقه. إن تجاهل قدرات إيران وإرادتها في الدفاع عن مصالحها الوطنية قد يحوّل الضغط العسكري إلى مواجهة مكلفة واستنزافية؛ مواجهة لا يعني فيها تزايد الضرر بالضرورة اقتراب الولايات المتحدة من النصر.
... باختصار، ما يُشكّل تحديًا حقيقيًا لحسابات أمريكا ليس مجرد القدرة الدفاعية لإيران، بل مزيج من السلطة الوطنية والتماسك الداخلي وإرادة الشعب الإيراني في مقاومة الضغوط الخارجية. دخلت واشنطن المواجهة بفكرة أنها تستطيع إجبار إيران على التراجع بالاعتماد على التفوق العسكري وزيادة الضغط؛ لكن الواقع أثبت وجود فرق جوهري بين إلحاق الضرر وكسر إرادة أمة.
يجب البحث عن فشل الاستراتيجية الأمريكية في عجزها عن تحقيق الأهداف المرجوة من هذه المواجهة. تُصبح القوة العسكرية نصرًا سياسيًا عندما تُمكن من فرض النتيجة المرجوة على الطرف الآخر؛ وهو هدفٌ صعّبت على واشنطن تحقيقه بفضل القدرة الدفاعية الإيرانية، والقدرات الاستراتيجية للبلاد، والصمود الوطني.
وبناءً على ذلك، فإن استمرار الضغط العسكري والاقتصادي لن يضمن تغيير هذه المعادلة. ما دامت إيران قادرة على الدفاع عن مصالحها الوطنية ولديها إرادة المقاومة، فلن تستطيع أمريكا فرض النتيجة المرجوة بمجرد زيادة التكاليف. إذا استمرت واشنطن في الإصرار على استراتيجية الاستسلام لإيران، فإنها ستواجه خطر تكرار الإخفاقات الاستراتيجية وفرض تكاليف أكبر على نفسها وعلى حلفائها.

