امروز: پنجشنبه, ۲۵ تیر ۱۴۰۵ برابر با ۰۲ صفر ۱۴۴۸ قمری و ۱۶ ژوئیه ۲۰۲۶ میلادی
کد خبر: 559501
۰
PNAZAR
نسخه چاپی

ما وراء التشييع المليوني.. قراءة في دلالات الشرعية والمقبولية الشعبية

وكالة مهر للأنباء، رسول حسين أبو السبح: ليست الحشود البشرية مجرد أرقام تتكدس في الشوارع والساحات، ولا يمكن اختزالها في كونها مشهدًا عاطفيًا عابرًا تفرضه لحظة الفقد أو صدمة الحدث، فبعض التجمعات الجماهيرية تتجاوز بعدها الانفعالي لتتحول إلى ظاهرة سياسية واجتماعية وثقافية تحمل في طياتها رسائل عميقة تتعلق بهوية المجتمع واتجاهاته وقناعاته الكبرى، ومن هذا المنطلق، فإن التشييع المليوني الذي شهدته إيران بعد استشهاد أحد أبرز قادتها لا يمكن النظر إليه بوصفه مناسبة جنائزية فحسب، بل باعتباره حدثًا يستدعي التأمل في دلالاته السياسية والحضارية، وفيما يكشفه من طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين القيادة والقاعدة الشعبية.

لقد اعتادت العلوم السياسية الحديثة على قياس شرعية الأنظمة من خلال أدوات محددة، أبرزها الانتخابات والاستطلاعات والمؤشرات الإحصائية المتعلقة بالمشاركة السياسية، غير أن الواقع الإنساني أكثر تعقيدًا من أن يُختزل في هذه الأدوات وحدها. فهناك لحظات تاريخية استثنائية تكشف عن اتجاهات الرأي العام بصورة أكثر وضوحًا مما تفعله الأرقام الجامدة، خصوصًا عندما يتحول الحضور الشعبي إلى تعبير تلقائي واسع النطاق يصعب تفسيره بمنطق التعبئة المؤقتة أو الحسابات المصلحية الضيقة.

ومن هنا يبرز السؤال الجوهري، ماذا يعني أن يخرج ملايين الناس إلى الشوارع للمشاركة في تشييع شخصية قيادية؟ وهل يمكن اعتبار هذا المشهد مؤشرًا على حجم المقبولية الشعبية التي يتمتع بها النظام السياسي أو المشروع الفكري الذي تمثله تلك الشخصية؟

إن الإجابة عن هذا السؤال تستوجب التمييز بين مفهومين غالبًا ما يجري الخلط بينهما، وهما “الشرعية” و”المقبولية”، فالشرعية، في أي نظام سياسي، ترتبط بالأسس الفكرية والقانونية والأخلاقية التي تمنح السلطة حق الوجود والاستمرار، بينما تشير المقبولية إلى مدى قبول المجتمع بهذه السلطة واستعداده للتفاعل معها والدفاع عنها، وقد تستطيع بعض الأنظمة أن تمتلك أدوات القوة دون أن تحظى بالمقبولية، كما قد تحظى بعض المشاريع السياسية بقبول شعبي واسع رغم تعرضها لضغوط خارجية أو تحديات داخلية كبيرة.

وفي التجربة الإيرانية تحديدًا، لا ينفصل الحديث عن الشرعية عن مفهوم المشاركة الشعبية الذي شكّل أحد الأعمدة الأساسية في الخطاب السياسي للجمهورية الإسلامية منذ انتصار الثورة عام 1979، فالنظام قدّم نفسه بوصفه نموذجًا يجمع بين المرجعية الدينية والإرادة الشعبية، ويرى أن استمراره لا يرتبط فقط بالنصوص الدستورية أو المؤسسات الرسمية، بل كذلك بحضور الناس ومشاركتهم في مختلف المحطات الوطنية.

وعلى هذا الأساس، ينظر كثير من أنصار الجمهورية الإسلامية إلى مشاهد التشييع المليونية بوصفها تعبيرًا عن استمرار حالة الارتباط الشعبي بالمشروع السياسي والثقافي الذي تمثله الثورة الإسلامية، فهم يرون أن هذه الحشود لا تعكس مجرد مشاعر الحزن تجاه شخصية راحلة، بل تكشف أيضًا عن وجود قاعدة اجتماعية واسعة ما زالت ترى في هذا المشروع إطارًا لهويتها الوطنية والدينية.

لكن أهمية الحدث لا تكمن فقط في دلالاته الداخلية، بل في الرسائل التي يبعثها إلى الخارج أيضًا. فالعالم المعاصر يشهد صراعًا متزايدًا بين نماذج مختلفة لفهم الدولة والمجتمع والهوية، وفي الوقت الذي تتحدث فيه العولمة عن تراجع الخصوصيات الثقافية والقومية لصالح منظومات عالمية أكثر تجانسًا، ما تزال بعض المجتمعات تتمسك بعناصر هويتها التاريخية والدينية بوصفها مصدرًا للقوة والاستمرار.

ومن هنا يمكن فهم اهتمام العديد من المراقبين الدوليين بمشاهد الحضور الجماهيري في إيران، فالقضية لا تتعلق بشخصية معينة فحسب، وإنما بقدرة منظومة فكرية وثقافية على المحافظة على حضورها وتأثيرها بعد عقود طويلة من التحديات والضغوط والعقوبات والصراعات الإقليمية، وهذا ما يدفع بعض الباحثين إلى النظر إلى هذه الظواهر بوصفها تعبيرًا عن حيوية الهوية الحضارية أكثر من كونها مجرد حدث سياسي محدود بزمن معين.

وفي المقابل، تطرح هذه المشاهد أسئلة جدية حول واقع الديمقراطية الليبرالية في الغرب، فبرغم ما حققته هذه الديمقراطيات من إنجازات مهمة في مجالات الحقوق والحريات والمؤسسات، فإنها تواجه اليوم تحديات متزايدة تتمثل في تراجع الثقة الشعبية بالمؤسسات السياسية، واتساع الفجوة بين النخب والجماهير، وصعود التيارات الاحتجاجية والشعبوية في عدد من الدول الغربية.

ولا يعني ذلك بالضرورة سقوط النموذج الليبرالي أو انتهاء صلاحيته، لكنه يشير إلى وجود أزمة حقيقية تتعلق بتمثيل الإرادة الشعبية وبمدى قدرة المؤسسات السياسية على الاستجابة لتطلعات المواطنين، ولذلك فإن المقارنة بين النماذج المختلفة لا ينبغي أن تنطلق من منطق الدعاية السياسية أو الأحكام المسبقة، بل من دراسة قدرة كل نموذج على تحقيق التوازن بين الشرعية القانونية والمقبولية الاجتماعية.

إن أحد أهم الدروس التي يمكن استخلاصها من مشاهد التشييع المليوني يتمثل في أن قوة الدول لا تُقاس فقط بما تمتلكه من أدوات عسكرية أو اقتصادية، بل كذلك بقدرتها على بناء روابط معنوية وثقافية عميقة مع شعوبها، فحين يشعر المواطن أن هويته وقيمه وتاريخه ممثلة في مشروع سياسي معين، يصبح أكثر استعدادًا للدفاع عنه والصمود في وجه التحديات.

ولهذا السبب كانت الهوية دائمًا عنصرًا حاسمًا في بقاء الأمم واستمرارها، فالتاريخ يثبت أن المجتمعات التي تفقد ثقتها بذاتها أو تنقطع عن جذورها الحضارية تصبح أكثر عرضة للتفكك والاضطراب، بينما تستطيع المجتمعات التي تحافظ على منظومتها القيمية أن تواجه الأزمات بقدر أكبر من التماسك والاستقرار.

وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن التشييع المليوني لم يكن مجرد حدث مرتبط برحيل قائد أو مسؤول، بل مناسبة كشفت عن تفاعل معقد بين السياسة والثقافة والدين والهوية الوطنية. وهو تفاعل يفرض على الباحثين والمراقبين تجاوز القراءات السطحية التي تحصر المشهد في بعده العاطفي أو الدعائي، والانتقال إلى فهم أعمق للدلالات التي يحملها هذا الحضور الشعبي الواسع.

ففي نهاية المطاف، تبقى الشرعية السياسية أكثر من مجرد نصوص قانونية أو إجراءات انتخابية، كما أن المقبولية الشعبية أوسع من أن تُقاس باستطلاع رأي أو نتيجة اقتراع واحدة، وهناك لحظات تاريخية معينة تتحول فيها الجماهير نفسها إلى لغة سياسية قائمة بذاتها، تعبّر من خلالها عن مواقفها وقناعاتها وتصوراتها للمستقبل، وعندما تبلغ الحشود هذا المستوى من الحضور والتأثير، فإنها تصبح جزءًا من معادلة الشرعية والمشروعية، ورسالة لا يمكن تجاهلها في قراءة واقع الأمم ومساراتها التاريخية.

//