وكالة مهر للأنباء - يشهد المشهد اليمني تطورات ميدانية متسارعة تعكس تحولات واضحة في طبيعة موازين القوى ومسارات المواجهة، ولا سيما على امتداد الساحل الغربي ومحيط مضيق باب المندب. وفي ظل تداخل الأبعاد البرية والبحرية والجوية للصراع، لم تعد المعركة محكومة فقط بخطوط التماس التقليدية، بل باتت ترتبط بصورة مباشرة بمسألة النفوذ الإقليمي وأمن الممرات البحرية وحسابات الردع المتبادل.
وفي هذا السياق، تبرز القوات المسلحة اليمنية في صنعاء بوصفها طرفاً يسعى إلى تثبيت معادلة ميدانية تتجاوز حدود الجبهات الداخلية، في مقابل تشكيلات عسكرية وفصائلية تعاني، وفق المعطيات الميدانية، من تعدد مراكز القرار وتباين الأولويات. ومن هنا، فإن قراءة التطورات الأخيرة لا تنفصل عن محاولة فهم طبيعة التحالفات القائمة، وموقع الساحل الغربي وباب المندب في المعادلة العسكرية، فضلاً عن دلالات التصعيد الصاروخي والجوي العابر للحدود.
1. البيئة الاستراتيجية وشبكة التحالفات
تخوض القوات المسلحة اليمنية (صنعاء) مرحلة فرض المعادلة الميدانية الشاملة، مستندة إلى حالة من التكامل والاستجابة العالية ضمن محور المقاومة والإسناد الإقليمي، في مسعى يهدف إلى إنهاء النفوذ الأجنبي وحماية السيادة الوطنية والأمن القومي البحري.
في المقابل، تعتمد التشكيلات الفصائلية التابعة للحكومة الشرعية و«المجلس الرئاسي» على دعم لوجستي وجوي مكثف من التحالف الأمريكي-السعودي، إلى جانب تكثيف استخدام الطيران المسيّر لترميم قدراتها التشغيلية. غير أن هذا المعسكر يواجه حالة من التفكك البنيوي، فضلاً عن تعدد مراكز القرار الميداني وتوزعها بين الساحل الغربي والمناطق الشرقية.
2. الساحل الغربي وباب المندب: الحسم البحري وتغيير قواعد اللعبة
شهد مسرح العمليات في المحور الساحلي تحولاً تكتيكياً لافتاً، نتيجة هجمات مركزة ومباغتة نُفذت خلال الأيام الأخيرة، وأفضت إلى تغييرات مهمة في خريطة الانتشار الميداني.
اختراق خطوط الدفاع الجنوبية:
تحققت السيطرة الميدانية على مديريتي حيس والخوخة جنوب محافظة الحديدة، الأمر الذي أدى إلى شل خطوط الإمداد العسكرية التابعة للقوى المشتركة.
فرض السيطرة على ميناء ومدينة المخا:
جاء التقدم الاستراتيجي نحو مدينة وميناء المخا والسيطرة عليهما، بالتزامن مع الامتداد نحو جزر حنيش ومشارف ذباب، بما يحقق إشرافاً نارياً ومباشراً على الممر المائي الدولي في مضيق باب المندب، ويحدّ من القدرة على المناورة لدى القطع البحرية التابعة للتحالف الغربي.
تأمين الشريط الساحلي:
أسهمت هذه التطورات في قطع محاولات الإمداد القادمة من الجنوب، إلى جانب بناء طوق دفاعي متقدم يؤمّن السيطرة على المنافذ البحرية الحيوية.
3. جبهات المواجهة الوسطى والشرقية (الجوف، البيضاء، تعز)
تتوزع ديناميكيات القتال في بقية المحاور العسكرية وفق استراتيجيات تقوم على الاحتواء والردع الناري، مع التركيز على منع الخصم من تحقيق اختراقات ميدانية مؤثرة.
جبهتا الجوف ومأرب:
خاضت القوات مواجهات متصاعدة بهدف امتصاص محاولات خرق خطوط التماس في قطاعات اللبنات واليتيمة، مع الاعتماد على استهداف تعزيزات الطرف الآخر القادمة عبر المنافذ الحدودية بواسطة ضربات صاروخية مسددة.
محور البيضاء والضالع:
تم إحباط المحاولات الهجومية على أطراف مديرية الزاهر وتخوم ذي ناعم وقطاع مريس، مع تثبيت التموضع الجغرافي في المرتفعات الحاكمة التي تمثل خط الدفاع الأولي عن العاصمة صنعاء.
جبهة تعز:
جرى عزل مدينة تعز عن منفذها الساحلي الرئيسي عبر إغلاق المسارات المؤدية إلى المخا، بالتوازي مع تثبيت نقاط السيطرة في مقبنة وجبل حبشي.
4. معادلة الردع العابر للحدود والآفاق الاستراتيجية
تعتمد القوات المسلحة اليمنية على تفعيل سلاح الجو المسيّر والقوة الصاروخية لاستهداف العمق الإقليمي ومواقع التحالف في جيزان ونجران وأبها وخميس مشيط. ويهدف هذا التصعيد إلى توجيه رسائل ردع حازمة، لمنع استمرار تزويد الفصائل المحلية بالدعم التسليحي.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن امتلاك زمام المبادرة في البحر الأحمر وممر باب المندب أسهم في إعادة فرض الشروط الاستراتيجية لصنعاء، باعتبارها طرفاً لا يمكن تجاوز دوره في معادلة أمن الملاحة الإقليمية والدولية.
خاتمة
تكشف التطورات الميدانية في اليمن عن انتقال المواجهة إلى مرحلة تتداخل فيها السيطرة على الجبهات البرية مع التحكم بالمجال البحري ومعادلات الردع الإقليمي. وفي هذا الإطار، يكتسب الساحل الغربي ومضيق باب المندب أهمية تتجاوز البعد الجغرافي والعسكري المباشر، نظراً إلى ارتباطهما بأمن الملاحة وبالتوازنات الإقليمية الأوسع.
وبناءً على المعطيات المشار إليها، فإن استمرار امتلاك المبادرة الميدانية والقدرة على الجمع بين أدوات المواجهة البرية والصاروخية والجوية والبحرية من شأنه أن يعزز موقع صنعاء في معادلة الصراع، في وقت تبدو فيه الأطراف المقابلة أمام تحدي إعادة تنظيم بنيتها العسكرية وتوحيد مراكز قرارها. ومن ثم، فإن المرحلة المقبلة قد تشهد مزيداً من التنافس على تثبيت قواعد الاشتباك، بحيث يصبح التحكم بمسارات التصعيد والردع عاملاً حاسماً في تحديد اتجاهات الصراع اليمني والإقليمي.
بقلم سبطين الجبوري، الخبير الأول في الشؤون السياسية و الدولية

