وكالة مهر للأنباء - مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي، عادت التساؤلات لتُثار حول طبيعة الديمقراطية في هذا البلد؛ البلد الذي لطالما ادّعى الدفاع عن حرية الشعب وسيادته، وقيم الأنظمة السياسية الأخرى، وفرض قيودًا وعقوبات على بعض الدول، بل وبرر سياسته الخارجية بشعار توسيع الديمقراطية. ومع ذلك، يُظهر تحليل هيكل الانتخابات الأمريكية وجود فجوة كبيرة داخل هذا البلد نفسه بين المساواة الرسمية بين المواطنين وقدرتهم الحقيقية على التأثير في السياسة.
في الولايات المتحدة، لكل مواطن صوت واحد، لكن لا يتمتع جميع المواطنين بنفس القدرة على تشكيل البيئة الانتخابية. فبينما يتوجه ملايين الأشخاص إلى صناديق الاقتراع لانتخاب ممثليهم، يلعب المليارديرات والشركات الكبرى والمجموعات الاقتصادية دورًا في تحديد أجندة الانتخابات، والإعلان، وتسليط الضوء على المرشحين من خلال ضخ مليارات الدولارات في المنافسات السياسية. لا تقتصر المشكلة على التكاليف الباهظة للانتخابات فحسب، بل تتعداها إلى كيفية تحويل الثروة إلى سلطة سياسية، وإلى أي مدى يمكن أن يؤثر ذلك على مفهوم السيادة المتساوية للشعب.
المليارديرات: الفاعلون الرئيسيون وراء كواليس الانتخابات
تُعدّ انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي لعام 2026 مثالًا واضحًا على هذا الوضع. فبحسب تقرير صادر عن منظمة "المواطن العام" الأمريكية في 27 أكتوبر، خصص أكثر من 500 متبرع، تبرع كل منهم بما لا يقل عن مليون دولار للجان العمل السياسي (Super PACs)، ما مجموعه حوالي 4.2 مليار دولار لهذه اللجان؛ وهو رقم يُمثل أكثر من 70% من الأموال التي جمعتها هذه اللجان.
وأعلن التقرير نفسه أن مساهمة إيلون ماسك المالية في لجان العمل السياسي خلال دورة انتخابات 2026 بلغت حوالي 445 مليون دولار. وبهذا، يمتلك ملياردير واحد موارد مالية هائلة تحت تصرفه لدعم المرشحين والحركات السياسية التي يختارها؛ وهو أمر يكاد يكون مستحيلًا على المواطن العادي.
لا تكمن أهمية هذه الأرقام في حجمها فحسب، بل إن الموارد المالية الضخمة تُتيح إنشاء شبكات إعلانية، ونشر رسائل الحملات الانتخابية على نطاق واسع، وزيادة ظهور المرشحين المدعومين من قِبل أصحاب رؤوس الأموال. في مثل هذه الحالة، تظل أصوات المواطنين مهمة يوم الانتخابات، لكن للأثرياء دورٌ في تشكيل البيئة التي يتخذ فيها الناخبون قراراتهم قبل أشهر.
ولا يقتصر هذا النفوذ على حزبٍ واحد. فبحسب دراسةٍ أجراها مركز برينان للعدالة، ساهم أكبر 40 مانحًا لانتخابات التجديد النصفي لعام 2026 بأكثر من 2.4 مليار دولار في الحملات السياسية حتى منتصف أكتوبر. وهذا يزيد بأكثر من 50% عن مجموع مساهمات أكبر المانحين في انتخابات التجديد النصفي لعام 2022 بأكملها، بعد تعديلها وفقًا للتضخم. لذا، فالأمر لا يقتصر على الدعم المالي للجمهوريين أو الديمقراطيين فحسب، بل يتعلق بالنفوذ الهيكلي للرأسماليين على جانبي السباق السياسي.
الشركات الكبرى؛ الاستثمار في النفوذ السياسي
يتجلى بُعدٌ آخر لهذه القضية في الإنفاق المؤسسي. بحسب تقرير صادر عن منظمة "ببليك سيتيزن" بتاريخ 29 أكتوبر، بلغت التبرعات المسجلة من الشركات الربحية إلى لجان العمل السياسي (Super PACs) واللجان السياسية المرتبطة بالانتخابات الفيدرالية لعام 2026 حوالي 737.3 مليون دولار، أي بزيادة قدرها 60% عن إنفاق الشركات في الانتخابات الرئاسية لعام 2024.
وفي مختلف القطاعات الاقتصادية، قدمت الشركات العاملة في مجال العملات المشفرة، والمقامرة عبر الإنترنت، وشركات التكنولوجيا الكبرى، ولا سيما الشركات العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، ما يقارب 391 مليون دولار للانتخابات. وقد تلقت لجنة العمل السياسي التابعة لحملة ترامب وحدها حوالي 141 مليون دولار من التبرعات المسجلة من الشركات.
وتُظهر هذه الأرقام أن الشركات ليست مجرد متفرجين، بل إن قرارات الحكومة والكونغرس بشأن الضرائب، واللوائح التقنية، وسوق العملات المشفرة، والطاقة، والعقود الحكومية، يمكن أن تؤثر بشكل مباشر على مصالحها الاقتصادية. لذا، ينبغي دراسة الحضور القوي للتمويل المؤسسي في الانتخابات في سياق الجهود المبذولة للتأثير على السياسة العامة.
لجان العمل السياسي (Super PACs)؛ آلية قانونية لتحويل الثروة إلى نفوذ
تُعدّ اللجان المعروفة باسم "سوبر باك" من أهم الأدوات في هذه العملية. ووفقًا للوائح لجنة الانتخابات الفيدرالية الأمريكية، يُمكن لهذه اللجان تلقّي مبالغ مالية غير محدودة من الأفراد والشركات والنقابات، وإنفاقها على إعلانات مستقلة لدعم المرشحين أو معارضتهم؛ وبالطبع، يجب ألا تكون هذه النفقات منسقة مع المرشح أو حملته الانتخابية.
يعود توسع هذه الآلية إلى قرار المحكمة العليا في قضية "مواطنون متحدون" عام 2010، الذي أبطل القيود السابقة على إنفاق الشركات والنقابات المستقلة في الانتخابات الفيدرالية. ومنذ ذلك الحين، مهدت آلية لجان العمل السياسي الفائقة الطريق أمام موارد مالية ضخمة لدخول المنافسات السياسية.
ويمكن ملاحظة أثر هذا التوجه في الإنفاق على الحملات الانتخابية. فبحسب بيانات شركة "آد إمباكت" المتخصصة في رصد الإعلانات، تجاوز إجمالي الإنفاق الإعلاني على دورات انتخابات 2025 و2026 مبلغ 11.21 مليار دولار أمريكي حتى 27 أكتوبر، وهو رقم يفوق حتى إجمالي الإنفاق الإعلاني على دورة الانتخابات الرئاسية لعام 2024. ويقتصر هذا الرقم على الإعلانات فقط، ولا يشمل تكاليف أخرى كالتنظيم الميداني ورواتب الموظفين وأنشطة الحملة الأخرى.
الديمقراطية للآخرين، التحدي في الداخل
يتضح التناقض الرئيسي عند مقارنة هذا الوضع بالسياسة الخارجية الأمريكية. لطالما أثارت واشنطن قضية الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات السياسية كأساس لتقييم الحكومات الأخرى، وفي بعض الحالات استخدمت عقوبات محددة الأهداف ووسائل ضغط اقتصادي أخرى لنفس المبررات. إيران وكوبا ونيكاراغوا وعدد من الدول الأخرى مدرجة على قائمة برامج العقوبات الأمريكية، والتي ترتبط بعض أسسها المعلنة بقضايا سياسية وحقوقية.
بالطبع، لا تُفرض جميع العقوبات الأمريكية تحت ستار الديمقراطية، إذ تُشير واشنطن أيضاً إلى أسباب أخرى، كالأمن القومي والقضايا النووية ومكافحة الإرهاب. ومع ذلك، تبقى الديمقراطية وحقوق الإنسان أداتين مهمتين في خطاب السياسة الخارجية الأمريكية.
لكن هل يُعقل أن تُقيّم دولة تتمتع بنفوذ اقتصادي واسع على المنافسة السياسية، دولاً أخرى وفقاً لمعايير ديمقراطية دون دراسة مشاكلها الداخلية؟
يزداد هذا السؤال أهميةً عندما تُشير التقارير الدولية أيضاً إلى التحديات الديمقراطية داخل الولايات المتحدة. بحسب تقرير فريدوم هاوس لعام 2026، انخفض ترتيب الولايات المتحدة في مؤشر الحرية العالمي من 84 في العام السابق إلى 81 من أصل 100. ويرى التقرير أن عوامل مثل تزايد الاستقطاب السياسي، وتنامي نفوذ المال في السياسة، ومشاكل أداء المؤسسات الحكومية، تُشكل تحديات للديمقراطية الأمريكية.
كما أعلن مركز بيو للأبحاث في تقرير صدر في أبريل/نيسان 2026، والذي استند إلى مؤشرات فريدوم هاوس، ومعهد V-Dem، ووحدة الاستخبارات الاقتصادية، أن التقييمات الثلاثة تشير إلى تراجع الديمقراطية الأمريكية في عام 2025. ووفقًا لبيانات V-Dem، انخفض ترتيب الولايات المتحدة في مؤشر الديمقراطية الليبرالية إلى 0.57 من أصل 1، وهو أدنى مستوى لها منذ عام 1965. وقد صنّفت وحدة الاستخبارات الاقتصادية الولايات المتحدة ضمن مجموعة "الديمقراطيات المعيبة" في مؤشر الديمقراطية لعام 2025.
الخلاصة
لا تكمن المشكلة الرئيسية في انتقاد الديمقراطية الأمريكية في حرمان مواطنيها من حق التصويت أو في عدم إجراء الانتخابات فيها، بل في عدم المساواة في القدرة الفعلية على التأثير في العملية السياسية. فعندما يدلي المواطن العادي بصوت واحد، بينما يستطيع ملياردير إنفاق مئات الملايين من الدولارات على الدعاية ودعم المرشحين، لا يمكن تحقيق المساواة السياسية بمجرد وجود صناديق الاقتراع.
الديمقراطية لا تقتصر على إجراء الانتخابات فحسب، بل تعتمد أيضاً على تكافؤ الفرص المتاحة للمواطنين للمشاركة في تحديد مصيرهم السياسي. وفي هذا الصدد، يواجه النظام الانتخابي الأمريكي تساؤلات جدية حول دور الأثرياء، ونفوذ الشركات، ومساءلة صناع القرار.
لا يمكن لواشنطن، من جهة، أن تجعل الديمقراطية معياراً لتقييم الدول الأخرى، ومن جهة أخرى، أن تتجاهل التحديات الهيكلية لنظامها السياسي. قبل أن تدعو الولايات المتحدة الآخرين إلى الالتزام بالمعايير الديمقراطية، يجب عليها الإجابة على هذا السؤال: إلى أي مدى تشكل الإرادة المتساوية للمواطنين الأساس الحقيقي لصنع القرار السياسي في بلد يتم فيه استثمار مليارات الدولارات من رأس المال في تشكيل المنافسات الانتخابية؟

