کد خبر: 560180
۰
PNAZAR
نسخه چاپی

محاولات فاشلة للالتفاف على مضيق هرمز

وكالة مهر للأنباء: أكدت مجلة "ناشيونال إنترست" الأميركية، في تقرير تناول الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز، أن التفوق الجغرافي الذي تتمتع به إيران حال دون نجاح الخطط الأميركية الرامية إلى تجاوز هذا الممر الحيوي. وأوضح التقرير أن خطوط الأنابيب البديلة في السعودية والإمارات لا تمتلك القدرة الكافية لنقل الكميات الضخمة من النفط التي تعبر المضيق، كما أن الوجود العسكري الأميركي، والضربات ضد مواقع إيرانية، وخطط مرافقة السفن التجارية، لم تنجح في تغيير معادلات القوة في المنطقة.

ولا يُعد مضيق هرمز مجرد ممر بحري يربط الخليج الفارسي ببحر عُمان، بل يمثل الشريان الأهم لنقل الطاقة في العالم، إذ يمر عبره يومياً ما يقارب خُمس الاستهلاك العالمي من النفط، إلى جانب كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال. ولهذا السبب، سعت الولايات المتحدة وبعض دول المنطقة خلال العقدين الماضيين إلى تقليل الاعتماد على هذا المضيق، إلا أن جميع هذه المحاولات اصطدمت بواقع جغرافي واقتصادي معقد.

وكان الخيار الأول يتمثل في إنشاء مسارات بديلة لتصدير النفط. فقد طورت السعودية خط الأنابيب الشرقي-الغربي، فيما أنشأت الإمارات خط أنابيب حبشان–الفجيرة لتصدير جزء من نفطها بعيداً عن مضيق هرمز. غير أن هذه المشاريع، رغم الاستثمارات الضخمة التي أُنفقت عليها، لا تستطيع سوى استيعاب جزء محدود من صادرات النفط، بينما يبقى القسم الأكبر من نفط وغاز المنطقة معتمداً على المرور عبر المضيق، الأمر الذي يجعل فكرة الاستغناء عنه أقرب إلى هدف سياسي منها إلى خطة عملية قابلة للتنفيذ.

كما أن هذه الخطوط لا تخدم جميع الدول المنتجة؛ فالعراق والكويت وقطر، إضافة إلى جزء كبير من صادرات الإمارات نفسها، لا تزال تعتمد بشكل أساسي على مضيق هرمز، ما يعني أن أي اضطراب فيه سيبقى مؤثراً بصورة مباشرة في أسواق الطاقة العالمية.

وفي موازاة الخيارات الاقتصادية، حاولت الولايات المتحدة مراراً تغيير ميزان القوى عبر تعزيز وجودها العسكري في المنطقة، من خلال نشر حاملات الطائرات والمدمرات والمنظومات الدفاعية وزيادة الدوريات البحرية. إلا أن التجارب أثبتت أن القوة العسكرية وحدها لا تستطيع تغيير الحقائق الجغرافية، إذ تسيطر إيران على الساحل الشمالي للمضيق، كما تمنحها جزرها الاستراتيجية قدرة استخبارية وعملياتية واسعة للإشراف على حركة الملاحة، وهو ما يجعل أي محاولة لفرض سيطرة كاملة على المضيق شديدة التعقيد.

ويشير التقرير إلى أن تفوق إيران في مضيق هرمز لا يستند إلى عدد القطع البحرية فحسب، بل إلى مزيج من الجغرافيا وقدرات الردع غير المتكافئة، التي تشمل الصواريخ الساحلية، والطائرات المسيّرة، والزوارق السريعة، والألغام البحرية، ومنظومات المراقبة، بما يرفع كلفة أي مواجهة عسكرية محتملة.

وبعد تعثر هذه المقاربة، طرحت واشنطن مشروع مرافقة ناقلات النفط والسفن التجارية بواسطة القطع البحرية العسكرية، بهدف طمأنة الأسواق وضمان حرية الملاحة. إلا أن المبادرة واجهت عقبات عديدة، إذ امتنعت دول كثيرة عن الانضمام إلى تحالف بحري مكلف، فيما رأت أطراف أخرى أن الحضور العسكري الكثيف قد يؤدي إلى زيادة التوتر بدلاً من احتوائه.

ومن ناحية أخرى، فإن الأمن الاقتصادي لا يتحقق بوجود السفن الحربية فقط، لأن شركات التأمين تعتمد في حساباتها على مستوى المخاطر في المنطقة. فكلما ارتفعت احتمالات المواجهة، ارتفعت تكاليف التأمين على ناقلات النفط والسفن التجارية، وهو ما يزيد من تكاليف نقل الطاقة، حتى وإن بقي المضيق مفتوحاً أمام الملاحة.

ويؤكد التقرير أن السيطرة على مضيق هرمز لا تعني بالضرورة إغلاقه بالكامل، إذ إن ارتفاع مستوى المخاطر وحده كفيل بإحداث تأثيرات استراتيجية واسعة. فعندما تشعر شركات الشحن أو التأمين بارتفاع احتمالات التهديد، تتغير قراراتها الاقتصادية، ما ينعكس مباشرة على أسواق الطاقة العالمية.

ومن المنظور الجيوسياسي، لا يمثل مضيق هرمز ممراً للطاقة فحسب، بل يشكل ركناً أساسياً في معادلة التوازن الإقليمي في غرب آسيا. فأي تغيير في وضعه ينعكس مباشرة على أمن الطاقة في آسيا وأوروبا، بل وحتى على الاقتصاد الأميركي، الأمر الذي يدفع مختلف القوى الدولية إلى التعامل مع هذا الممر باعتباره قضية استراتيجية تتجاوز حدود المنطقة.

وتخلص "ناشيونال إنترست" إلى أن التجارب خلال السنوات الماضية أثبتت فشل الاستراتيجيات التي هدفت إلى تقليص الدور الجيوسياسي لمضيق هرمز أو تحييد موقع إيران. فلم تتمكن خطوط الأنابيب البديلة من إنهاء اعتماد العالم على هذا الممر، كما لم ينجح الوجود العسكري الأميركي أو خطط مرافقة السفن في تغيير ميزان القوى أو توفير الأمن الاقتصادي المنشود.

وبناءً على ذلك، يبقى مضيق هرمز أهم عنق زجاجة للطاقة في العالم، فيما تؤكد الوقائع أن أي استراتيجية واقعية لمستقبل أمن الطاقة العالمي لا بد أن تنطلق من الإقرار بالحقائق الجغرافية، وبميزان القوى القائم، وبالدور المحوري الذي يواصل هذا المضيق الاضطلاع به في الاقتصاد العالمي.